معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

        مسائل جذرية علاجها شرط في إحياء التربية الأصيلة

               (لمزيد معرفة مبررات نشر هذا العمل أنظر بيان أبي يعرب إلى القراء)

(....) لما  قرأت المشروع لم أصدق عيني فراسلت أصحابه بمشاعري تجاه ما يقدمون عليه على النحو التالي: سألت نفسي: هل يكون بعض العرب قد أدرك أن مجال الجهاد الحقيقي ليس جبال أفغانستان ولا صحارى إفريقيا أعني ما اضطررنا إليه لأننا لم نعمل بالآية 60 من الأنفال بل هو ما بدأ به القرآن الكريم أعني بناء الإنسان بفضل النظام التربوي المحقق لشروط الاستخلاف المادية والرمزية ؟ أم إن الأمر هو مرة أخرى طريقة من طرق استغلال الدين في مشروع تجاري ليس له من اسمه إلا الوظيفة الشعارية[1] ؟

ولما كنت أومن بأن بعض الظن إثم فقد قدمت حسن النية وقلت في نفسي: ما يدريك فقد يكون بين أثرياء العرب من أدرك الخطأ الذي وقع فيه بن لادن؟  ترى هل فهم العرب أنهم لو اتبعوا ما كان حاصلا في الجاهلية من بعض الفزات على فارس وتابعيها من المناذرة أو على بيزنطة وتابعيها من الغساسنة لأصبحوا كلهم مناذرة وغساسنة ولما حصلت الثورة الإسلامية التي غيرت التاريخ والجغرافيا الكونيين؟  لا شيء يسعدني أكثر من أن أرى فكر الصحوة قد تحرر من تقنيات الهنود الحمر في المقاومة التي لا يمكن أن تحقق غير الزوال الأكيد لشروط النهوض الفعلية بل وللأمة. فالمقاومة نفسها بهذا الأسلوب تعيد الأمة في زمن الحرب إلى العيش في المغارات وهي تعيدها بعد نهاية الحرب أي عندما يتأكد العدو بأنه أرجعنا إلى القرون الوسطى فيتركنا في الفوضى تعيدها إلى  الحرب الأهلية بين زعماء الحرب وشيوخ القبائل وأرباب العمائم الذين كانوا يصورون أنفسهم بالمقاومين للعدو وهم في الحقيقة يقاومون شرط شروط كل نهوض: الأنظمة المؤسسية التي من دونها لا يمكن بناء الأمم والتي بسببها كانت ثورة القرآن بالأساس ثورة تربوية من أجل تأسيس الدولة التي تحقق شروط استعمار الأرض والاستخلاف فيها.

ولهذه العلة وجهت إلى الأخوة أصحاب المشروع الأسئلة الخمسة المضاعفة التالية والتي أوردها بعد مزيد من التوضيح متقدم عليها في البحث الأول ومتضمن فيها من خلال مراجعة ما يتطلب منها المراجعة.

                     السؤال المضاعف الأول

                      طبيعة المشروع المزدوجة

               الأهداف القريبة والبعيدة وشروط القريب وشروط البعيد من أهدافها

وها أنا أسأل عن شروط مثل هذا المشروع الذي اعتبره حقا الشرط الضروري والكافي لتحقيق النهوض الفعلي وليس مجرد تحويل الإسلام إلى شعارات في المعترك السياسي الداخلي أو الخارجي كما هي الحال في غالب الحركات الإسلامية التي قضت على كل عمل نظري وحولت الفكر إلى مجرد بيانات سياسية وصحفية حتى صار العلم بالإسلام نفسه وحتى بالقرآن الكريم لا يحصل إلا في المؤسسات الغربية المقيمة في الغرب أو حتى في مراكز البحث التي هي عيون علينا. وإذا كان الرسول الأكرم قد أمره الله بأن يكون النخبة التي حققت من بعده هذه الشروط فإن الاقتداء بهذه التجربة يقتضي أن يكون المشروع ذا مستويين:

الأول هو تكوين نخبة بمواصفات معينة وهذا الهدف الأول قصير المدى لأن جيلا واحدا كاف فيه بشرط أن يوجد من الأولياء من يقبل بتوجيه ابنه إلى هذه المهمة التي تنوء بها الجبال.

الثاني تكوين المغريات الفعلية والرمزية التي تجعل المجتمع كله يفضل ما تمثله هذه النخبة من مثل على النخب المنافسة في قيادة المؤسسات التي تحقق النهضة الحقيقية.

وهذا هو الهدف الثاني ذو المدى البعيد الذي يعسر تحقيقه في جيل واحد لأنه يتعلق بتغيير الذهنيات وهي أعصى شيء على التغيير خاصة والعائق مضاعف:

العائق الأهلي أعني النظام التربوي التقليدي الذي يتصور أن الإحياء يكفي فيه استخراج الجثث من المقابر واعتبارها عودا إلى الحياة. لكأن عرض الموميات حياة.

العائق الأجنبي أعني النظام التربوي المستورد والذي يتصور أصحابه  النهوض تقليدا للموجود في الغرب الحالي وليس إبداعا لما تقتضيه الاستئنافة الإسلامية التي هي لغز العصر بدليل اعتبارها من رموز العولمة الخطر المهدد لكل مشاريعها.

والسؤال المضاعف الذي ينبغي طرحه هو[2]:

1-هل يمكن أن نجد من هو مستعد لوضع ابنه في مثل هذه المغامرة ووضعه في مدرسة لا تؤهله لمجرد العمل في الموجود الحالي بل تعده لإيجاد المعدوم والذي إيجاده هو شرط النهوض الحقيقي لهذه الأمة التي كلفها الله بالشهادة على الناس ؟

2-وهل يمكن أن تجد من هو مستعد لتمويل عمل لن يرى ثمرته الحقيقية إلا بعد ثلاثة أجيال تماما كما فعل أبو بكر الصديق الذي وهب ثروته كلها أو عثمان بن عفان الذي وهب نصف ثروته لتمكين الثورة التربوية القرآنية من تكوين الأجيال التي حققت الإمبراطورية التي نسميها اليوم دار الإسلام ؟

 

               السؤال المضاعف الثاني

            التأسيس التاريخي وفيه مسألتان

1-لماذا فشلت التربية في الحضارة الإسلامية في تحقيق شروط استعمار الأرض والاستخلاف فيها بصنفي هذه الشروط ؟

2-لماذا نجحت التربية في الحضارة الغربية  في الشرط المادي أي في استعمار الأرض مع إهمال الاستخلاف فيها ؟

إن الصراع الذي حصل بين التربية المزعومة نقلية والتربية المزعومة عقلية هو في الحقيقة صراع بين نظامين تقليديين ورثتهما الحضارة الإسلامية عن الحضارات السابقة التي كانت في طور الانحطاط وبصورة أدق من النظامين  اللذين وجدتهما في أرض الإسلام التي حررتها من الاستعمار الفارسي وتوابعه من المناذرة ومن الاستعمار البيزنطي وتوابعه من الغساسنة أعني النظام العقلي المخلوط بخرافات عصر الانحطاط اليوناني والنظام النقلي المخلوط بتقاليد الجاهلية والأعراب من اليهود والعرب في الجزيرة العربية. وقد نشب الصراع لما صار كلا النظامين بمضامينه مصدرا للشعارات المذهبية ففقد كل وظيفة معرفية وإبداعية:

فمن غلب من فرق المسلمين النظام الفلسفي المنحط (كالمعتزلة والفلاسفة والمتصوفة) أفقد العلوم العقلية ما فيها من عقلي لأنه حولها إلى مجرد نقل لما يتصورونه عقلا لحاجتهم إلى  إيديولوجيا فرق وليس إلى العلم تماما كما يفعل من يسمون أنفسهم علمانيين وعقلانيين اليوم.

ومن غلب منها النظام النقلي المنحط (كالحنابلة والأشعرية والفقهاء) جعلوا العلوم النقلية مجرد قواعد شكلية خاوية من كل إبداع مكتفين بتنظيم الحياة اليومية الجامدة لدول تنافي مؤسساتها كل القيم القرآنية لكأن التاريخ صار خارج الزمان كما يفعل من يسمون أنفسهم سلفيين وسنيين اليوم.

وفي الحالتين بات العقل والنقل مجرد معين للشعارات الإيديولوجية توطد بها الفرق سلطانها على الشعب الذي جعلوه عامة ليكونوا هم خاصة متناسين أن الثورة القرآنية ترفض هذا الفصل وتعتبر الجميع رعاة ورعية في آن كما نبين في المسائل الموالية.  ولعل الدليل على هذه الحصيلة التي تبين الفساد الذاتي للمدرسة العربية الإسلامية من البداية علامتان لا تكذبان:

العلامة الخطيرة الأولى[3]: كل العلماء الذين أبدعوا في حضارتنا-إذا ما استثنينا ما لا يمكن أن يسمى علما لكونه مجرد تجميع وحفظ مستند إلى الذاكرة- كانوا عصاميين أي إنهم لم يتعلموا ما أبدعوا فيه في المدرسة بل ضد المدرسة سواء كان ذلك من العلوم العقلية أو من العلوم النقلية.

العلامة الثانية وهي أخطر من الأولى[4]: لم يحصل تطور كيفي في علومنا بل إن علماء البداية كانوا أفضل من علماء الغاية وذلك في علوم النقل وعلوم العقل على حد سواء. ففي علوم الطبيعة كان الكندي أعلم من الفارابي والفارابي أعلم من ابن سينا وابن سينا أعلم من ابن رشد. بحيث إن منحنى التطور العلمي عند نخب الفكر الفلسفي كان متنازلا. وقس عليه علوم الملة: فالخليل ابن أحمد  أعلم وأكثر إبداعا من كل الذين جاءوا من بعده والذروة التي تضل دون علمه وإبداعه توقفت في القرن الخامس. ولا أحد من مؤصلي الفقه فاق الرسالة إلى يومنا هذا لأن التدقيق والتفريع ليس تطورا كيفيا بل هو مجرد تنويع كمي.

وليس ذلك بالصدفة بل لأن المدرستين الموروثتين عن السنن اليونانية الرومانية الدنيوية العقلية والسنن اليهودية المسيحية الدينية النقلية كانتا بعد حتى عند أصحابهما في الرمق الأخير خلال الانحدار إلى قاع الانحطاط والاقتصار على الحفظ والجمع والتقليد المقيت. ورثنا نظامين محتضرين فضلا عما حصل لهما عند تحولهما إلى شعارات حرب بين المدارس المذهبية (الفلسفة وعلومها صارت أداة حرب عند إخوان الصفاء تماما كالحال عند من يسمون أنفسهم اليوم عقلانيين وعلمانيين عندنا الآن دون أي إبداع علمي مكتفين بترديد الشعارات: كلا التيارين يسمي نفسه تيار الأنوار).

 لم يحصل التثوير الذي دعا إليه القرآن: وليكن مثالنا الطبيعيات. فالقرآن الكريم يقول إن العالم الطبيعي والتاريخي كله رياضي القوانين. لكن شعارات إخوان الصفاء والمتصوفة جعلوا الفكليات تنجيما والطبيعيات سحرا وإفراطهم في ما كانوا يتصورونه علما أكثر من معصوم أدى إلى رد فعل مفرط فحرم ا الفقهاء كل العلوم الطبيعية لأنها حسب رأيهم اشتغال بما لانفع له في الدنيا والدين بل هي عند بعضهم كفر محض. ولما كان ما دعا إليه القرآن من علم رياضي بالآفاق والأنفس لم يحصل انطفأت الجذوة نهائيا. والمشكل العويص هو أننا نوجد الآن تقريبا أمام نفس المعضلة[5]:

فالمدرسة الإسلامية ماتت وهي تكتفي باستخراج موميات من القبور متصورة ذلك إحياء للماضي وهو في الحقيقة قتل للمستقبل[6].

والمدرسة الغربية في أزمة خاصة وهي قد تحولت إلى شعارات فارغة عند علمانيينا الذين لم يأخذوا من الغرب إلا نمط العيش لا شروطه.

 

               السؤال المضاعف الثالث

            التأسيس المفهومي وفيه مسألتان

لكن كل من له اطلاع على المنهجين يدرك أنه لم يعد ممكنا الأخذ المجرد من هذه أو من تلك دون نقد جذري يتجاوز كلتا المدرستين والبحث الفلسفي في القرآن الكريم[7] الذي هو المعين الذي لا ينضب عن المدرسة التي تحقق شروط الاستخلاف بصنفيها أي:

الصنف المتعلق بالقانون الطبيعي: شروط استعمار الأرض بإبداع العلوم التي تمكن الإنسان من علم الطبائع ليكون خليفة فيها على علم بقوانينها فلا يفسد فيها ولا يسفك الدماء.

الصنف المتعلق بالقانون الخلقي: شروط تنظيم العمران بإبداع المعايير التي تمكن الإنسان من علم الشرائع ليكون خليفة فيه على علم بقيمه فلا يطغى ولا يكون البعض للبعض أربابا.

لذلك فإذا كنا حقا صادقين مع أنفسنا ونريد فعلا الأهداف التي أشرت إليها في المسألة الأولى فينبغي أن نتخلى نهائيا عن مخادعة أنفسها فلا نزعم بأن المدرسة العربية الإسلامية كانت فعلا مدرسة ناجحة لأنها بذاتها فاسدة وهي سبب التخلف وليس ما حل بها بالأمر العرضي  طرأ عليها من خارجها خلال عصر الانحطاط: فهذا غير صحيح لأن المدرسة الإسلامية كما حددها القرآن لم توجد أصلا مثلها مثل نظرية الدولة القرآنية رغم ما يبدو في هذا الرأي من الغلو لأن  ما وجد  في الحقيقة كان موروثا يونانيا رومانيا في تعليم العقليات وموروثا يهوديا مسيحيا في تعليم النقليات  لم يأخذ بعين الاعتبار نظرية القرآن الكريم القائلة بضرورة التصديق والهيمنة من أجل التجاوز النقدي المؤسس للتعليم كما يحدده القرآن. كل ما في الأمر أن هذا الموروث ألبس زيا إسلاميا تماما كما يحصل الآن في ما يسمى بالنهضة. وعلينا أن نطرح السؤالين التاليين:

1-     ما الذي جعل النخب الدينية تتصور التدريس الفلسفي والعلمي معاديا للدين ؟

2-     وكيف لم يفهم علماؤنا أن هذه العلوم هي من جوهر التصور  القرآني للوجود

والحقيقة أن المدرسة الإسلامية لم تكن مدرسة ناجحة قادرة على إنتاج الشروط المادية والرمزية لحضارة تحقق استعمار الأرض والاستخلاف فيها أعني المهمتين اللتين كلفنا القرآن الكريم بهما لنكون قادرين على الشهادة على الناس فيكون الرسول شهيدا علينا. ينبغي أن نعترف فنكون صادقين مع أنفسنا بأن المدرسة العربية الإسلامية لم تتكون بعد لأنها منذ البداية وكما يحصل الآن اكتفت بتبني الموجود في النظاميين المدرسيين المنحطين اللذين جاء الإسلام ثورة عليهما: النظام البيزنطي والروماني في العقليات أعني الاستعمارين الغربيين اللذين سيطرا على نخب الشرق قبل الإسلام والنظام اليهودي المسيحي في النقليات.

والغريب أن المسلمين عندئذ تبنوا هذين النظامين في شكلهما المتأخر المنحط وتركوا ثورة القرآن جانبا وأن المسلمين الحاليين عندما يعودون إلى هذا الشكل الأول لا يعودون إلا المدرسة الإسلامية بل إلى هذا الموروث المتنكر في زي إسلامي. اكتفوا بأخذ النظامين الموجودين في فارس وبيزنطة كما فعلوا في النظام السياسي والاقتصادي والثقافي ثم أضفوا عليها خارجيا مسحة إسلامية كما يفعل فقهاؤنا حاليا في إضفاء المسحة الإسلامية على كل المستوردات المؤسسية الغربية دون فهم لشروطها ودون علم بمقوماتها وأسسها الفلسفية الغربية المتنافية مع القيم القرآنية.

ويقتضي التأسيس المفهومي أن نرفض المقابلة الزائفة بين العقل والنقل كما يوجب علينا ذلك المنطوق والمفهوم القرآنيين لأن هذه المقابلة الزائفة أقدمت على تزييفين  خطرين[8]. فهي حصرت النقل في الديني والعقلي في الدنيوي ثم تصورت النقلي خاليا من العقل والعقلي خاليا من النقل:

1-لكن النقل ليس مقصورا على الدين: فالنقل الديني نوع من النقل وليس هو النقلي الوحيد. ذلك أن كل العلوم التجريبية لا بد فيها من النقل بمعنى المعطى الذي عليها نقله لكونه مادة المعرفة وهو معنى التجربة الحسية. وكل بناء عقلي من دون مضمون تجريبي ليس هو بعد معرفة علمية بل هو مقدرات ذهنية كما يقول شيخ الإسلام.

2-والعقل ليس مقصورا على الدنيا: فالعقل الدنيوي نوع من العقل وليس هو العقلي الوحيد. ذلك أن العلوم الأخروية ليست مقصورة على حفظ مضمون محدد بل هي كذلك تصوير لذلك المضمون بالبناء العقلي. ومن ثم فالعلوم الدينية لا بد فيها من العقل بمعنى الصورى التي ينبغي استعمالها لصوغ المضمون المعرفي المستمد من التجربة الحدسية الخلقية تماما يستمد المضمون المعرفي الدنيوي من التجربة الحسية المادية.

لكن المتكلمين والفلاسفة تصورا العلوم النقلية مضمونات خالية من الصورة العقلية و العلوم العقلية صورا خالية من المضامين النقلية ثم من دون انتباه قابلوا ما توصلت إليه علوم الفلسفة بما توصلت إليه علوم الدين واعتبروا الأمرين متنافيين ويحتاجان إلى التوفيق للخروج من الصراع المفتعل الذي نتج عن المقابلة: فكان الحل برد أحدهما إلى الآخر بآلية التأويل وهو ما أنتج كل العلوم الزائفة التي من جنس تصوف ابن عربي المقصور على سذاجة البحث عن فلك بطليموس في القرآن أو حل الغزالي الذي تصور علم نفس أرسطو كافيا لفهم معارج النفس بالمعنى القرآني أو إحياء العلوم يكفي فيه استعارة الصورة المنطقية والمضمون الصوفي بمجرد التلفيق الخارجي.

وكل العلوم الزائفة التي من جنس علم الحروف والتدجيل بالشعوذة والسحر والكرامات وكلها تتأسس على أسطورة التوازي بين العالمين الكبير (=العالم) والصغير (=الإنسان) كل ذلك قتل الفكر والإبداع وهو العلة المعرفية لانحطاط الأمة العلة التي تضافرت مع العلة الخلقية الناتجة عن ميتافيزيقا وحدة الوجود التي نفت حرية الإنسان وأسست للاستبداد المطلق في التربية والسياسة أي في ما أدى إلى ما وصفه أبن خلدون بفقدان معاني الإنسانية.

 

                  السؤال المضاعف الرابع

         النقد الجذري عند مؤسسي النهوض الحقيقي

  فرعه الأول: هل نحن حقا مستعدون للقبول بالنقد الجذري والتخلص من الزعم بأن المدرسة العربية كانت ناجحة ثم انحطت للاعتراف بأنها لم توجد بعد وأن الانحطاط كان في ما ظن إياها من البداية؟

 فرعه الثاني: هي هل نحن حقا مستعدون لأن نقبل بإعادة التأسيس من رأس منطلقين من التشخيصين الثوريين اللذين يمثلها عمل ابن تيمية من منطلق نظرية النظر  وابن خلدون من منطلق نظرية العمل ؟

حتى نفهم القطيعة التي أحدثها هذان الفيلسوفان بحيث صار كل ما تقدم عليهما يشبه حقائق الفلك البطليموسي بالقياس إلى حقائق الفلك الكوبرنيكي-رغم ما نبديه من احترازات كثيرة على ما شاب ثورتهما من بتر قتل دور الخيال والرمز المبدعين في مجال العلوم الإنسانية وتطبيقاتها عند ابن تيمية وفي مجال العلوم الطبيعية وتطبيقاتها عند ابن خلدون وفي مجال الفنون الجميلة وتطبيقاتها عندهما كليهما-فينبغي أن نعلم أنهما أسسا ثورتهما على تطبيق مطلق لما أمر به القرآن رغم التقابل بين مدخليهما:

 فـابن تيمية أراد أن يحقق الإصلاح منطلقا من تحديد جديد لعلم العقيدة والنظر فانتهى إلى تحديد جديد لعلم الشريعة والعمل: تحديد يمكن من تحقيق شروط استعمار الأرض والاستخلاف عليها وعلى كل المخلوقات العالمية بأسبابهما العقلية وأخلاقهما الدينية ثورة على الجبرية الصوفية والحتمية الفلسفية وإحياء لحرية الفعل شروط التكليف.

وابن خلدون عكس فأراد أن يحقق الإصلاح منطلقا من تحديد جديد لعلم الشريعة والعمل آل إلى تحديد جديد لعلم العقيدة والنظر: تحديد يمكن من تحقيق شروط استعمار الأرض والاستخلاف عليها وعلى كل المخلوقات العالمية باسبابهما العقلية وأخلاقهما الدينية.

وبدل النظر في النصوص المرجعية نظرا في ما طلبت النصوص المرجعية النظر فيه: نظرا في الآفاق وفي الأنفس حتى يفهما النصوص المرجعية لكأن الأول قدم ما في الأنفس على ما في الآفاق والثاني عكس فقدم ما في الآفاق على ما في الأنفس. لذلك فتاريخ الفكر الإسلامي قبلهما غير تاريخه بعدهما رغم أن التاريخين لا يفهمان إلا بهما. فقبلهما لم يتحقق إلا شيء إيجابي وحيد لا غبار عليه وهو التحقيق المادي للنصوص المرجعية والعلوم الأدوات التي تمكن من الفهم النصي ثم توقف العطاء لكأن المعركة مع الإيديولوجيا الفلسفية أخمدت الاندفاعة التي بدأت تؤسس لعلوم الرمز عامة وخاصة ما كان منها مساعدا على فهم المرجعين.

لكن ما تحقق بفضلهما-حتى وإن ظل سلبيا لأنه لم يفعل ولم يطبق منه إلا ما بقي فيه من آثار ردوده على ما نقده- وما سيتحقق أهم بكثير رغم أن المتقدم عليهما شرط فيه: إنه الفهم الوجودي المشروط في تجاوز الفهم النصي إلى معرفة الحقائق من الوجود بدل الاقتصار على شرح النصوص والعلم التجميعي والتركيمي الخالي من التنظير المدرك للمقومات الناقلة من رابط الذاكرة النفسية بين القضايا إلى رابط النسقية العلمية بينها. وذلك في الثقافتين الفلسفية والدينية: فالثقافة الفلسفية وليس الثقافة الدينية وحدها كانت قبلهما هي أيضا شرح نصوص. وذلك بالصورة التالية:

فكل من يهمل نظام العقد هذا في عمل ابن تيمية لن يفهم علة سعيه إلى التنوير المطلق لتحرير الشعوب من الوثنية الصوفية التي جعلت الأمة خانعة لا تؤمن بالعمل ولا بحرية الإنسان بل هي تستسلم للخرافة ووساطة الأولياء المتحالفين مع المستبدين من الحكام. ولست أدري كيف حصل الانقلاب فصارت فلسفته التحريرية أساسا للإمعان في ما ثار عليه وإن بشكل آخر: بات التنوير قتلا للروح وفرضا للقشور مع المحافظة على الاستبداد الذي كان سعيه إلى إزالته مع الاستسلام للخرافة التي هي من ثمراته. فإذا بقي الاستبداد ولم يذهب مع الخرافة بات الفقه الظاهر بديلا من فقه الباطن المزعوم في نفس الوظيفة: تبرير الاستبداد القائم. وقد حاولت تفسير هذا النكوص في كتابي النخب العربية وعطالة الإبداع في منظور الفلسفة القرآنية (الدار المتوسطية للنشر تونس 2007م).

كما أن كل من يهمل نظام العقد هذا في عمل ابن خلدون لن يفهم علة سعيه للتحرير المطلق من الاستبداد السياسي من وجهين: نقد الثورات الفاشلة للفقهاء والمتصوفة باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعني بما لا يمكن أن يغير الواقع السياسي لعدم إبداع العلم بآليات الفعل السياسي (من هنا  نظرية العصبية مع الشرعية) ونقد الفكر السياسي الفاشل للمتكلمين والفلاسفة أو لرجال الفكر عامة باسم الواجب النقلي أو العقلي أعني ما لا يمكن أن يغير الواقع السياسي لجهله بمقتضيات الفعل السياسي (من هنا نظرية المحركات الفعلية التي تحدد علاقات القوة في العمران). وقد حاولت فهم هذا الأمر كذلك في نفس المرجع المحال عليه في الهامش السابق للتوازي بين المأزقين الإصلاحيين التيمي والخلدوني.

وعلة الجمع بين هذين الفيلسوفين النقديين في كل محاولة جدية للإصلاح التربوي والسياسي (=صورة العمران) والإصلاح الثقافي والاقتصادي (=مادة العمران) لا تقتصر على هذه الحجة المنهجية رغم أهميتها بل إن للأمر سرا آخر تأكد في بداية استئناف الحضارة العربية الإسلامية عند أعلام الإصلاح والنهضة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

فاعتماد الصحوة على فكر ابن تيمية واعتماد النهضة على فكر ابن خلدون معا دليل على أن العلم والعمل الحقيقيين يمكنان من توحيد فرقتي السنة الأساسيتين أعني السلفية والأشعرية لو حررنا فكر هذين الرجلين مما عرض له من أعراض قتلت الرمز المبدع وتطبيقاتها بسبب ما اتصفت بهم محاولتهما الإصلاحية من شطط في نفي ما اعتبراه علة الداء:

فابن تيمية آل فكره إلى فهم ممكن (هو الذي غلب بعده لكونه الأكثر يسرا وبداهة في عصور الانكماش) قتل الرمز عامة وخاصة في مجال العلوم الإنسانية والفنون وذلك بسبب فهم من وظف فكره من بعده معتبرين ما نتج عن التوظيف الإيديولوجي للفلسفة هو من طبيعة التفلسف وليس من تحريفه.

وابن خلدون آل فكره إلى فهم ممكن (وهو الذي غلب بعده لكونه الأكثر يسرا وبداهة في عصور الانكماش) قتل الرمز عامة وخاصة في مجال العلوم الطبيعية والفنون وذلك لنفس الظن من موظفي فكره من بعده.

ورغم أن إستراتيجية سد الذرائع العقيمة الموجودة بذورها في عملهما قد أفسدت ثمرات ثورتهما فإنهما يبقيان المؤسسين  لتوجيه الفكر الإسلامي نحو ما دعا القرآن إلى تدبره أعني فلسفة علوم الطبيعة والمنطق (ابن تيمية) وفلسفة علوم العمران والتاريخ (ابن خلدون) حتى تتحقق شروط الكرامة الإنسانية في الحياة الدنيا فتكون مطية للحياة الأخرى وتتحقق الأهداف من استعماره في الأرض واستخلافه عليها بدل مواصلة الصراع حول التفريعات الكلامية والفقهية التي ليس من ورائها طائل.

أما العلوم التقليدية فالمقصود ب "التقليدية" عند الكلام عليها هو نعت مضمونها وشكلها بعد أن فقدت الحيوية الإبداعة وتحولت إلى تاريخ لفاعليات علمية لم تعد فاعلة لأنها لم تبق ممارسة معرفية لمجالاتها التي جعلها العمران الإسلامي تعمل بمعارف أخرى كلها مستوردة بل هي مجرد تاريخ لمدونات سابقة كانت فاعلة عند أصحابها لأن مجتمعهم كان يعمل بمقتضاها. ويصح هذا الحكم على جل البلاد الإسلامية إن لم يكن عليها كلها إذا نظرنا في الحقائق لا في المظاهر:

 فمضمونيا يكون العلم تقليديا إذا كان همه منصبا على المضامين العينية التي يسعى إلى حصرها والكلام عليها من حيث هي تلك الأعيان ومن ثم فهو يرد جميع العلوم إلى التاريخ والهموم المباشرة للحياة أعني أنه لم يصل إلى السؤال النظري أو المعرفة غير المحكومة بالهم المباشر للحياة العملية. وبقدر ما يكون العمل فاسدا إذا أهمل الهم المباشر للحياة يكون النظر أفسد إذا حصر همه فيه.

أما شكليا فالعلم يكون تقليديا إذا كان الرابط الوحيد بين عناصر موضوعه هو ذاكرة صاحبه وسلسة الذاكرات التي تتوارث المعرفة وليس العلاقات المنطقية بين مقوماتها المحددة التي يتمثل جوهر العلم في إبداع أفضل الفرضيات حولها لأنها من حيث هي في عين الأمر من الغيب ولا يعلمها على ما هي عليه  إلا الله وحده. ومعنى ذلك أن العلوم الإسلامية التقليدية تخلو من المقوم الأساسي للنظر: البناء الأكسيومي الذي يرد اللامتناهي من وجوه الموضوع المعلومة بالفعل أو بالقوة إلى حدود أولية وعلاقات معينة كلاهما متناه ترد إليه كل العناصر بالاستدلال منطقيا والمطابقة بين النموذج النظري المستعمل وظواهر الأمر المدروس بتلك النظريات.

وبذلك نخرج من رابط الذاكرة النفسي بين القضايا ومن التراكم العرضي للمعلومات التي لا تختلف عن معلومات التاريخ الطبيعي أو التاريخ العفوي للأحداث التاريخية التي تعرض في المدونات التقليدية[9]: وذلك هو الشرط الضروري والكافي للانتقال من المعرفة المبنية على الذاكرة والحفظ إلى المعرفة المبنية على الخيال والإبداع الذي لا يتناهي ما ظل العقل ساعيا إلى فهم ما يحيط به وما يضفي على حياته المعنى الذي خصه الله بها إذ كرمه فجعله أهلا للاستخلاف بحجة القدرة على التسمية التي علمه إياها.

 

                 السؤال المضاعف الأخير

            طبيعة المشروع من المنظور القرآني[10]

كيف أفهم هذا المشروع إذا كانت مرجعيته التجربة الإسلامية التي كان منطلقها الرسالة الخاتمة أعني القرآن الكريم وكان تطبيقها السنة الشريفة؟ إنه مشروع ذو مستويين هما تكوين الأمة الشهادة لتكون قادرة على توحيد الإنسانية بقيم القرآن الكريم. وسأقصر كلامي هنا على المستوى الأول أعني تكوين الأمة الشاهدة بشروط الشهادة التي حددها القرآن في سورة العصر (لأن المستوى الثاني ليس هذا وقته بل هو لا يبدأ إلا إذا ضمنا النجاح في المستوى الأول):

 أ-ففي مستوى تكوين الفرد اشترطت السورة للاستثناء من الخسر أمرين أحدهما يتعلق بالعلم والثاني بالعمل: ("الذين آمنوا") + ("(الذين) علموا الصالحات"). والشرط الأول يتعلق بالتكوين النظري لطلب الحقيقة لأن الإيمان هو ثمرة لما اعتبره القرآن الكريم شرط تبين "أنه الحق": علم الآفاق (=كل العلوم الطبيعية) وعلم الأنفس (=كل العلوم الإنسانية).

ب-وفي مستوى تكوين الجماعة اشترطت السورة لنفس الغاية أمرين أحدهما يتعلق بتحقيق العلم بالحقيقة والثاني يتعلق بتحقيق العمل الصالح بالحق: ("وتواصوا بالحق") + ("تواصوا بالصبر"). والمعلوم أن ("التواصي بالحق = الاجتهاد") وهو لا يكون إلا عملا جماعيا بدليل المشاركة في فعل التواصي بالحق. كما أن ن "التواصي بالصبر = الجهاد" وهو لا يكون إلا عملا جماعيا بدليل المشاركة في فعل التواصي بالصبر.

ج-فيكون الجمع بين هذه الشروط الأربعة صادرا عن أصل واحد يجعل العمل الجمعي شرط نجاعة العمل الفردي مع تقديم العمل الفردي في الحالتين بوصفه مناط الجزاء في الدنيا والآخرة وبمقتضى كون المسؤولية أمام الله فردية فضلا عن كون التواصي الشارط للنجاعة يبقى مشروطا بالتزام طرفي المشاركة في الفعل. وهو ما يعني أن الحد من سلطان الجماعة على الأفراد مع اعتبارها شرط تحقيق فعليهم الأساسيين يمثل التعريف القرآني لمفهوم الحرية علما وأنه يعتبر  أسمى هذه الحريات حرية العقد.

فهذه الحرية هي علامة الصدق الذي هو أسمى الفضائل القرآنية وعلامة التحرر من أكبر الرذائل أي النفاق خاصة إذا صار عين التدين كالحال عند من يقول بالتقية فيه. فعدم الإكراه في الدين شرط في التدين الحقيقي أي التدين الذي يكون صاحبه صادقا وغير منافق لذلك كان الإيمان بالله مقرونا بالكفر بالطاغوت (البقرة 216).وهذه هي المدرسة التي نادى بها ابن خلدون في ما أشار إليه من أسباب فقدان المسلمين لـ"معاني الإنسانية" بسبب نظامهم التربوي والسياسي:

المستوى التربوي: معاني الإنسانية التي يفقدها الإنسان.

"ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم:

 1- سطا به القهر وضيق على النفس انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل

 2-وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه

3-وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا

4-وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله وصار عيالا على غيره في ذلك

 5-بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد أسفل سافلين"[11].

المستوى السياسي: نفس المعاني الخمسة التي يفقدها الإنسان

وهكذا (=كل ما ذكر في المستوى التربوي) وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف واعتبره في من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به. وتجد ذلك فيهم استقراء"[12]

                               الخاتمة

إذا كان القصد من مشروع الإحياء الأصيل (في الورقة التي تفضلتم فأرسلتموها لي) مستجيبا لهذه الشروط فلا يمكن لأي إنسان مؤمن بالأمانة والتكريم إلا أن يكون من جنوده في مستوييه أعني في التأسيس (نظرية النظام التربوي) وفي التحقيق (نموذج التطبيق). وبطرح هذه الأسئلة ومحاولة الجواب عليها ترد المسائل إلى أصولها فيصبح بالوسع القيام بالمقارنة بين النظام الإسلامي والأنظمة الأخرى للتقويم (بالمقارنة مع الأنظمة التربوية الغربية الحديثة مثلا) ومع الوظائف المنتظرة للتوظيف (لتحديد ما بقي صالحا للاستعمال في المستقبل) ويتم تأسيس النظرية التربوية التي يحتاج إليها المسلمون ليستأنفوا دورهم الكوني شاهدين على العالمين. 

وبين أن هذا التقويم التاريخي يتعلق بمسألتين درسنا أهم مقوماتهما في هذه المحاولة الأولية:

ما تحقق من مقومات المنظومة التربوية العربية الإسلامية في الماضي والحاضر في مستوى التنظير والتطبيق.

ومنزلتها بين الأنظمة الأخرى التي يتألف منها المجتمع الإنساني سواء كان المجتمع الخاص بالأمة أو المجتمع الإنساني عامة.

ويعني ذلك أن للمنظومات التربوية من حيث هي منظومات تربوية مقومات ذاتية لا تخلو منها منظومة عينية وجدت في التاريخ: وذلك هو مطلوب التحليل المفهومي لمقومات التربية نظريا وعمليا. ولها مقومات عرضية تحددها ظرفيات التاريخ الخاص بحضارة حضارة وذلك هو مطلوب التحليل التاريخي لخصوصيات المنظومات التربوية. وكلا الأمرين يقبل الإثبات استقراء واستنباطا من الوظائف الثابتة لكل نظام تربوي ومن ظرفياته النموذجية. ولما كانت أوراق المشروع المقدمة لم تعين الطريقة التي أوصلت أصحابها إلى تعيين ما أشارت إليه من المسائل دون سواها وبهذا الترتيب دون سواها فقد كان من الواجب اللجوء إلى المنهجين الممكنين في هذا التعيين:

لا بد من الاستقراء التاريخي للأنظمة الأساسية التي حددت تاريخ العقل البشري المعلوم في المجال الحضاري الذي تحددت الحضارة الإسلامية بالقياس إليه من حيث هي تجاوز نقدي له[13]:

النظام الذي يغلب عليه التوجه الفلسفي العقلي: ويمثله أفلاطون وأرسطو عند اليونان وفلاسفتنا وبعض متصوفينا الذين أرادوا أن يجعلوا التربية الدينية تابعة لهذا النظام.

النظام الذي يغلب عليه التوجه الديني النقلي: ويمثله موسى وعيسى في العالم الشرقي والغربي الذي توحد فلسفيا ودينيا  وفقهاؤنا وبعض متكلمينا منذ نزول القرآن. 

ولا بد من الاستنباط المفهومي لوظائف التربية والتعليم من مفهومهما وفي ما لهما من علاقة بشروطهما وبسياقاتهما في العمران البشري:

النظام الذي يقدم النظر والنظام الطبيعي على العمل والنظام التاريخي وهو مناظر للنوع الأول الذي تعين  بالاستقراء.

النظام الذي يقدم العمل والنظام التاريخي على النظر والنظام الطبيعي وهو مناظر للنوع الثاني الذي تعين بالاستقراء.

والملاحظ أن التناظر بين الفرع الأول من كلا النوعين يجعل كل الأنظمة ذات المصدر الفلسفي العقلي تتميز بتقديم النظر على العمل والطبيعة على التاريخ في تصور الأنظمة التربوية وأن التناظر بين الفرع الثاني من كلا النوعين يجعل كل الأنظمة ذات المصدر الديني النقلي تتميز بتقدم العمل على النظر والتاريخ على الطبيعة في تصورها. وتلك هي علة التناظر العكسي بين التصورين أو المدخلين للفكر التربوي التقليدي.

لكن الإسلام يرفض التقديمين الدالين على التنافي ويجعل المدخلين متلازمين فلا يكون أي منهما مغنيا عن الآخر ومتزامنين فلا يكون أي منهما متقدما على الثاني. ومن ثم فهو يضع تصورا للنظام التربوي فريد النوع. ذلك أن تقديم النظر على العمل الذي أطلقه تصور الفلسفة القديمة (والوسيطة التي حاكتها) ليس هو في الحقيقة إلا تقديم أداة وليس تقديم غاية. وتقديم العمل على النظر الذي أطلقه تصور الدين القديم (والوسيط الذي حاكاه) ليس هو إلا تقديم غاية وليس تقديم أداة. والتلازم بين الغاية والأداة أمر لا بد منه ومن ثم فلا يمكن أن يكون أي منهما أصلا والثاني فرعا بل الأصل هو تلازمهما والفرع هو تواليهما في المجرى الفعلي للتحليل النظري والتحقيق العملي.

ومن ثم فكلا التقديمين ممتنع لكونه يفترض أمرا ممتنعا أعني الفصل بين الغاية والأداة: فالنظر والعمل لا يمكن أن ينفصل فيهما وجه الأداة ووجه الغاية وهو ما لا يمكن أن يكون ممكنا حقا إلا في مستوى التحليل المجرد لا في مستوى الوجود الفعلي للنظر والعمل اللذين تسعى التربية إلى تكوين المتعلم تكوينا يمكنه منهما ليكون قادرا على العلم والعمل فضلا عن الذوق والحياة. وتلك هي حقيقة الدين من حيث هو تربية بالجوهر أعني تربية الإنسان بالإيمان (القلب) والعمل الصالح (الجوارح). والإيمان التام  يكون دائما ذا بعدين متلازمين ومتطابقين:

أ-بعد عقدي=عمل نظري وقد عرفه القرآن بكونه إيمانا وتواصيا بالحق.

ب-بعد فعلي:نظر عملي وقد عرفه القرآن بكونه عملا صالحا وتواصيا بالصبر

فيكونان معا طبيعيين مضمونا (باعتبارهما إيمانا وعملا فهما لا يتعينان إلا في حقيقة الفرد وهي أمر طبيعي فيه) وتاريخيين شكلا (باعتبارهما تواصيا بالحق وتواصيا بالصبر  لا يتعينان إلا في حقيقة المجموعة وهي حصيلة تاريخية لما بين الأفراد من ترابط عضوي يحتاج إلى شروط ثقافية لتحقيق شروط البقاء التقنية وشروط العيش المشترك الخلقية). لكن التاريخ يبين أن النظام التربوي الإسلامي الفعلي تردد مرتين بين غلوين. فهو قد تردد بين:

 غلو الموقف الفلسفي العقلي عند الغلاة من الفكر الباطني والغلاة من الفكر العلماني مع حصر الدين في الدور الإيديولوجي غطاء لهذا الغلو.

وغلو الموقف الديني والنقلي عند الغلاة من الفكر الظاهري والغلاة من الفكر الأصلاني مع حصر العقل في الدور الإيديولوجي غطاء لهذا الغلو.

 فكان النظام التربوي في الحالتين مخالفا لما يدعو إليه القرآن الكريم: فلم تتحقق ثمرات أي من النظامين أي إن الباطنيين بمقتضى توظيفهم للدين الذي جعلوه دجلا لم يحقق الفلسفة بل حولوها هي بدورها إلى أدنى ما فيها أعني السحر والتنجيم  مساعدين لتوظيف الدين والظاهريين بمقتضى توظيفهم للفلسفة التي جعلوها جدلا لم يحققوا الدين بل حولوه هو بدوره إلى أدنى ما فيه أعني الشعائر والحجاج مساعدين لتوظيف الفلسفة.

وقد تكرر نفس الفعل في الحاضر وإن بدلالات أخرى لا تختلف كثيرا عن الدلالات السابقة: فالعلماني الحالي ينتسب إلى الباطنية الوسيطة بصريح كلامه حتى وإن كان ينسب التوظيف الديني الباطني لخصومه الحاليين والظاهري الحالي ينتسب إلى الظاهرية الوسيطة بصريح كلامه حتى وإن كان ينسب التوظيف العقلي الظاهري لخصومه الحاليين.

وفوق كل ذي علم عليم.

 


 

[1]  

وقد تبين لي الآن أن هذا الظن لم يكن آثما. قالنكث بالعهود والتلاعب بنبود العقود لعدم سداد الحقوق الحاصل معي أقرب إلى أخلاق التجار الدنية منه لمن يسعى إلى

 إصلاح العملية التربوية. لا يمكن لإصلاح التربية أن يبدأ بالتحيل على ذوي الخبرة واستغلال جهدهم مع استفزازهم حتى يتخلوا عن حقوقهم أنفة وهروبا من المماحكة

الدنية.

[2]  

وهذان السؤالان يرجعان إلى المسألة التالية: هل يمكن تصور مثل هذا المشروع الطموح قابلا للتنفيذ من دون أن يكون متجسدا في حركة

 نهوض تتبناها مؤسسات دولة مؤمنة برسالة الإحياء ؟ أو حركة ثورية تريد أن تصبح دولة فيكون هذا برنامج استعداد لهذه المهمة وذلك لعلتين:

 المدخلات والإمكانات والمخرجات والوظائف؟

[3]  

ما يبدو لي شبه ثابت أمران: النظامان الموروثان والنظامان اللذان نتجا عنهما. النظام البيزنطي الروماني والنظام اليهودي  المسيحي ثم ما نتج

عنهما الشكل الأول هو الشكل الشيعي الخالط بين النظامين والحاصر للعلم في الوظيفة الإيديولوجية ورد الفعل السني عليه بنفس الخصائص مع

 الحرب على الفلسفة والقبول بالكلام الذي هو أدنى ما يمكن أن ينحط إليه العق الإنساني بعد تجربة قصيرة لم تكتمل هي التجربة التي وضعت

 العلوم النقلية أدواتها وغاياتها.

[4]  

والغريب أن نفس الحالة عادت: فنحن نلاحظ أن الجيل الأول الذي تكون في المدرسة الاستعمارية أمتن تكوينا من الأجيال التي تربت ف

ي المدرسة التي أنشأتها الدول الوطنية. وعلينا أن نبحث عن السر.

[5]  

ويعود الأمر إلى سؤال واحد: هل يمكن أن نسلم بأن الإحياء ليس إحياء لما مات بل هو إبداع لما لم يكن في الحي السابق بل لما يعبر عن

 الطفرة الحيوية التي تجعله لم يمت ويريد أن يستأنف ؟

[6]  

التجارب الملفقة المعلومة : إصلاح الزيتونة وإصلاح الأزهر وتجربة ما يسمى بإسلامية المعرفة كلها تجارب فاشلة لأنها لم تعد قادرة على

 تكوين علماء بالمعنى التقليدي ولم تصبح قادرة على تكوين علماء بالمعنى الحديث فأصبحت جميعا مدارس لتخريج أنصاف متعلمين  لا هم من

 هؤلاء ولا من أولئك.

[7]  

وهو أمر  اقتضى أن أحاول القيام بمشروع أطلقت عليه اسم التفسير الفلسفي للقرآن الكريم وهو مشروع طويل النفس سيصدر منه

 الجزءان الأولان هذه السنة إن شاء الله بعنوان إستراتيجية التوحيد القرآنية ومنطق السياسة المحمدية: بمعنى التربية التي هي سياسة دولة تكون ثورة دائمة لتحقيق شروط الاستخلاف أو استعمار الأرض بصورة تجعلها مطية الآخرة بمعنى أنها تحقيق لقيم القرآن في التاريخ الفعلي. وهذا المشروع النقدي يحاول تحريرنا من الفكرين المزيفين لمعاني القرآن الكريم: التفسير التقليدي الذي راوح بين الإسرائليات والفلسفيات التي من جنس أساطير الإعجاز العلمي وكلتاهما من الخرافات التي لا صلة لها بطبيعة الخطاب القرآني. فالقرآن لا يمكن أن يوضع في منزلة تجعله نظير علوم الطبيعة كما يدعي المتكلمون عن التوازي بين المسطور والمنظور.  لا يمكن أن يكون القرآن موازيا للعالم ونظيرا له. بل هو فوق العالم وما يناظر العالم هو الأخلاق وكلاهما مما يتكلم عليه القرآن باعتباره من آيات الله المخلوقة بخلاف القرآن الذي هو كلام الله الذي به يكون الخلق والأمر لكونه فعل الله الأسمى. أما العالم الطبيعي والعالم الخلقي فهما مخلوقان من مخلوقات الله وليس فعله الذي يخلق به كل المخلوقات الطبيعية والخلقية.

[8]  

كيف نتحرر من الثنائية القاتلة التي عرفها فكرنا في كل تاريخه ؟ الجواب المبدئي معلوم للجميع: فهو الجمع الحي بين الدنيوي والأخروي أو

 بين الدنيوي والديني أو بين السياسي والديني في الإسلام. لكن تطبيقه هو المشكل. فالجمع بينهما في القرآن هو العلة الأساسية للختم في الرسالة: فعندما يصبح الخطاب الديني موجها إلى الإنسان من حيث هو إنسان وليس لجماعة معزولة أو أمة بعينها يكون مناط الخطاب صفة الإنسان الكلية أي العقل. والعقل يجمع بين التوجهين الدنيوي لعلاج شروط القيام العضوية والنفسية والاجتماعية والأخروي لعلاج مسائل التعالي على هذا القيام الذي لو انحصر وجود الإنسان فيه لكان حيوانا مثله مثل الأنعام ليس له من قيام إلا الإخلاد إلى الأرض.

[9]  

مأساة الخيال والرمز عندنا من خلال موقف الأصلانيتين: الخيال والرمز هما مصدر الإبداع العلمي وتطبيقاته المادية والرمزية والإبداع

 الخلقي وتطبيقاته السياسية والجمالية. لكن الأصلانيتين بمقتضى ما وصفنا من صراع بين الفلسفة والدين بتوسط توظفيهما الإيدويولوجي حال دون الاجتهاد الشارط للجهاد من أجل استعمار الأرض والاستخلاف عليها من أجعل جعلها مطية الآخرة أعني من أجل تحقيق التجاوز الإنساني للضرورات حتى يشرئب للكمال: التدين لا يكون صادقا حقا إلا إذا حققت الأمم شروط طلب القيم لذاتها أعني بعد التحرر من الفقر. لذلك كانت جميع الفروض الإسلامية مشروط بالتحرر من الفقر: فلا يمكن أن تطالب بدفع الزكاة من دون النصاب ولا يمكن أن تطالب بالحج من دون الاستطاعة ولا يمكن الصلاة من دون القدرة على النظافة وهي أغلى من الزكاة والحج ولا يمكن أن تصوم من دون أن تكون صحيح البنية وهو ما يعني أنك جيد الغذاء وهو أيضا مشروط بعدم الفقر. وبذلك فالفروض الإسلامية دعوة للتحرر من الفقر لأنها مشروطة بقدر كبير من القدرة المادية. فروض الدين الإسلامي مستحيلة التطبيق في حالة الفقر ومن ثم فهذه الفروض تجعل العبادة مشروطة بما يمكن أن نعتبره أصل كل عبادة: استعمار الأرض للتغلب على الفقر والاستخلاف فيها لتحقيق العدل.

[10]  

سؤال الأنتروبولوجيا القرآنية: عندما تقرأ وصف القرآن للإنسان تعلم أن تحريره من هذه العيوب مشروط بأمرين. الأول هو السند

 الدنيوي أو الأمة المتضامنة ومن ثم فالفرد المكلف  لا يتحقق إلا في الأمة بمعناها الإسلامي أي الأمة المتضامن أعضاؤها والسند الأخروي أو العقيدة التي تعتبر الله لا يظلم الإنسان بحيث إن الثقة المتبادلة مع الله أو الرضا المتبادل بين الإنسان وربه هما السند الأساسي في الوجود الإنساني. انثروبولوجيا الإنسان الضعيف في القرآن لها علاجان إذن هما ما ذكرنا. ومهمة التربية تحقيق هذين الشرطين والأول هو الشرط الضروري والكافي لتحقيق استعمار الأرض والثاني هو الشروط الضروري والكافي لتحقيق الاستخلاف عليها: إرث الأرض للعباد الصالحين.

[11]  

ابن خلدون المقدمة دار الكتاب اللبناني ط.3 بيروت 1967 ص. 1042-1043

 

[12]

 نفسه.

 

[13]  لعل المجالات الحضارية الآسيوية وأهمها مجال الحضارة الصينية والحضارة الهندية تمثل مرحلة أقدم من المجال الذي تحددت حضارتنا بالقياس

 إليه تحددا نقديا أي أكثر قربا من الاندماج في العالم الطبيعي وأقل تصادما معه. فتكون الحضارة العربية الإسلامية بما دعا إليه القرآن من ضرورة التناغم مع الفطرة وصلا بين المجالين: لذلك اعتبرها القرآن لا شرقية ولاغربية ولذلك فهي قادرة على الشهادة على العالمين.

 

المصدر: بريد موقع الفلسفة

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2011

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي