تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)

 

الكتاب :الأجوبة الغالية في عقيدة الفرقة الناجية
تأليف: السيد العلامة زين العابدين العلوي
الناشر: دار الفقيه للنشر و التوزيع - أبو ظبي

الكتاب موافق للطبعة الأولى
سنة 1419هـ - 1998م

الأجوبة الغالية
في عقيدة الفرقة الناجية

تأليف

السيد العلامة الداعي إلى الله
الحبيب زين العابدين العلوي

الكتاب موافق للطبعة الأولى
سنة 1419هـ - 1998م

(1/1)


المقدمة
الحمدُ لله الفتاح العليم، الحليم الحكيم، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلاّ هو إليه المصير . وأشهد أَن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، أكرمنا بالإسلام، وأنعم علينا بالإيمان، وهدانا إلى التمسك بالعروة الوثقى والحبل الأقوى، وذلك باتباع القرآن الكريم، والاهتداء بسنَّةِ الرسول العظيم .
وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلّى الله وسلم عليه وآله وشرَّف وكرَّم في كُلِّ حينٍ أبدا عدد نِعَم الله و إفضاله .
وبعد: فهذه رسالة في: [ عقائد المسلم المصححة ]، اشتملت على الأهم من عقائد أهل السنة والجماعة، جمعت وأوعت ما لاَبُدَّ للطالبين من معرفته وما يدلُّهم على السبيل القويم، والصراط المستقيم الذين أُمِرُوا باتباعه، ويحفظهم من السبل المتفرقة التي اتبعها المبتدعون فضلوا وأضلوا، قال تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } , وهي كافية لمن عرفها عن معرفة العقائد المطولة، كفيلة بإقناع المخدوعين باتباع أهل البدع إنْ كان لهم نصيب من التوفيق، لأنَّ كثيراً من المخدوعين لا يرجعون إلى

(1/1)


الحق ولو ظهر لهم النَّهار للتعصب الأعمى ومتابعة الهوى، ولتزيين الشيطان لهم السوء حَسناً، قال تعالى: { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } .
ولمَّا وصف صلى الله عليه وسلم بعض أهل الهوى، قال: (( يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيهم يخرجون من الديم كما يخرج السهم من الرَّميَّة ثم لا يعودون فيه هم شر الخلق والخليقة .. )) الحديث . رواه مسلم .
اللهم صل على سيدنا محمد وآله وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مشتبها علينا فنتبع الهوى، { رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) } ، { رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) }

(1/2)


معرفة الله سبحانه وتعالى
... س: ما هو أوَّلُ واجبٍ على الإنسان ؟
ج: أوَّل ما يجب على المكلف معرفة الله الذي أوجده من العدم إلى الوجود، فإنَّه لم يخلق إلاّ للعبادة، وهي تستلزم أوّلاً معرفة المعبود أيْ: معرفة ذاته وصفاته وأفعاله على الوجه المحمود، قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } .
***
... س: ما هو طريق العلم به سبحانه وتعالى ؟
ج: طريق العلم به سبحانه وتعالى من وجهين، أحدهما: من جهة السمع والنقل وذلك بالإصغاء إلى ما أخبر به تعالى عن نفسه في كتبه وعلى ألسنة رسله من أسمائه الحسنى وصفاته الأسنى، قال الله جلَّ ثناؤه: { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24) } .

(1/3)


وفي الحديث: (( إنَّ لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة: هو الله الذي لا إله إلاّ هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المغيث الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الباطن الوالي المتعال البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور )). رواه الترمذي وغيره.
الثاني: من جهة النظر العقلي وذلك بالتدبر في المخلوقات والاعتبار في المصنوعات فيستدل بذلك على موجدها ومبدعها وخالقها ألا وهو الله الذي لا إله إلاّ هو الرحمن الرحيم، قال تعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ

(1/4)


وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) } .
***

(1/5)


حقّ الله تعالى على العباد
... س: ما حق الله تعالى على عباده ؟
ج: حقه تعالى عليهم أنْ يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً .
... س: ما الدليل على ذلك ؟
ج: عن معاذ بن حبل رضي الله عنه قال: (( كنتُ رَدِفَ النبي صلى الله عليه وسلم على حمارٍ فقال: يا معاذ هل تدري ما حق الله على العباد ؟ وما حق العباد على الله ؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّ حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أنْ لاَ يُعذِّب من لا يشرك به شيئا )) رواه مسلم .
فمن أوّل الواجبات: أن يعرف العبد الخصلة التي لأجلها خلق، وهي: عبادة الله تعالى، فإنَّ الله عز وجل لم يخلق الخلق إلا لعبادته، كما قال تعالى في كتابه العزيز: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } . فحقه تعالى على العبد عظيم وفضله واسع عميم خلقه الله من العدم وصوره في أحسن تقويم وأسدى إليه جميع النعم وهداه إلى الدين القويم، فلو سجد العبد لمولاه على الجمر

(1/6)


منذ خُلِقَتْ الدنيا إلى أن تفنى لم يقض حق نعمة الإسلام التي مَنَّ الله بها عليه والإيمان الذي هداه له وحببه إليه، ولله تبارك وتعالى عليه من النعم الدينية والدنيوية في ظاهره وباطنه وفي قلبه وقالبه ؛ ما لو كانت البحار مداداً والأشجار أقلاماً لنفدت قبل إحصاء عشر معشار ما أنعم الله به عليه، قال الله عزَّ من قائِلٍ كريم: { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا } , وقال تعالى: { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } .

***

(1/7)


صفات المعبود بحق
... س: ما هي صِفات المعبود بحق ؟
ج: اعلم أنه لا معبود بحق في الوجود إلاّ الله وحده لا شريك له، الفرد الواحد الأحد الصمد الملك القادر الحي القيوم القديم الأزلي الدائم الأبدي الذي هو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) } ، تقدس وتعالى عن الشبيه والنظير، وعن الشريك والوزير، لا تحده الأزمان، ولا يشغله شأن عن شأن، لا تُحيط به الجهات ولا تعتريه الحادثات، له الغنى المطلق عن كل شيء، من كل وجه وكل ما سواه مفتقر إليه، خلق الخلق وأعمالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم، وخلق الموت والحياة والطاعة والمعصية والصحة والسقم، وأنزل الكتب وأرسل الرسل لهداية الخلق لطفاً بهم، وعد المحسنين بثوابه فضلا، و توعد المسيئين بعقابه عدلا، فالإله المعبود بحق هو الجامع لهذه الصفات، قال تعالى: { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) } .
* * *

(1/8)


من عرف نفسه عرف ربه
... س: ما معنى ما ورد في الخبر أو الأثر: ( من عرف نفسه عرف ربه ) ؟
ج: معنى هذه الكلمة: أنَّ المعرفة بالنفس هي الطريق إلى معرفة الله تعالى، فلو نظر الإنسان إلى عجز نفسه وقصورها وافتقارها و انقهارها وأنَّها لا تستطيع أنْ تجلب نفعاً لنفسها ولا أن تدفع ضراً عنها، يَعلم من ذلك أن لها ربَّاً وخالقاً هو المنفرد بإيجادها وإمدادها، والقائم عليها بما كسبت، والمجازي لها بما عملت، ويستدل بذلك على كونه عبداً مربوباً وأنَّ أمره بيد غيره ألا وهو الله العزيز الحكيم .
وكذا إذا نظر الإنسان إلى مبدأ خلقه فإنه كان في العدم ليس له وجود فأوجده الله تعالى بمحض الكرم والجود، خلقه من قطرة ماء ونطفة مَذِرَة ثم صوره وشق سمعه وبصره إلى أن صيره في أحسن تقويم وحلاَّه بمفاخر جليلة ومناصب عالية دينية ودنيوية، قال الله جل ذكره: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) }
***

(1/9)


آثار القدرة الإلهية
... س: لأي شي ء نجزم بوجود ذاته سبحانه وتعالى ؟
ج: نجزم بوجود ذاته سبحانه وتعالى لما نشاهده من آثار قدرته ودلائل حكمته - وإن لم نره بأبصارنا ولم ندرك حقيقته بأفكارنا - فإن في الصنعة دلالة على الصانع، وفي الصورة المحكمة آية على الفاعل الحكيم، فكما أنه من أبصر بناء مرتفعا عرف أن له بانيا ومن رأى خيمة منصوبة في أرض فلاة علم أن لها ناصبا كذلك من شاهد هذه المخلوقات في ملكوت الأرض والسموات تحقق بلا محالة أن لها صانعا كامل القدرة والصفات، قال الله جلت قدرته: { أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) } ، وقال تعالى: { وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42)

(1/10)


وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44) } . فمصنوعاته سبحانه وتعالى ومخلوقاته في أرضه وسماواته شاهدة بالألوهية وناطقة له بالواحدانية، ولله در القائل :
فيا عجبا كيف يُعْصَى الإله ... أم كيف يجحده الجاحدُ
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحدُ
ولله في كل تحريكة ... و تسكينة أثَرٌ شاهدُ
سئل بعضهم عن الدليل على وجود الله تعالى، فقال: البعرة تدل على البعير، والروث يدل على الحمير، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج تدّل على صانع خبير وهو الله العلي القدير .
وقال الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - لقوم من الدهرية: هل يجوز في العقل سفينة مشحونة في لجة البحر قد احتوشتها أمواج متلاطمة ورياح مختلفة وهي مع هذا تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها ؟ فقالوا: لا، فقال: إذا لم يجز ذلك فكيف يمكن قيام هذا العالم العلوي والسفلي مع اختلاف أحواله من غير صانع ؟.
واعلم أن من نظر إلى الأرض و السماوات وما بينهما من عجائب المخلوقات ولم يعتقد أنَّ لها إلهاً وخالقاً فهو مصاب في عقله،

(1/11)


مختوم على قلبه، قد حل به الخذلان وأحاط به الخسران، وهو ممن قال الله تعالى في حقهم: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) } . والأنعام والبهائم بل والنبات والجمادات مقرة ومعترفة لخالقها وموجدها بالربوبية والوحدانية ولو كانت تنطق لأعربت عن ذلك وأفصحت به قال الله تعالى: { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بحمده } الآية، وقال تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ و الشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (50) }
***

(1/12)


معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم
... س: ما معنى معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
ج: معنى المعرفة به صلى الله عليه وسلم أن يؤمن ويعتقد أن الله سبحانه وتعالى أرسله إلى كافة الخلق من الإنس والجن والعرب والعجم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وأنه صلى الله عليه وسلم بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وأنه صادق في كل ما أخبر به عن الله سبحانه وتعالى، ولا يقبل الله إيمان عبد وإن آمن به تعالى حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع ما جاء به من أمور الدنيا والبرزخ و الآخرة. وفي الحديث: (( أُمِرتُ أنْ أقاتلَ الناس حتَّى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئتُ به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى )). رواه مسلم .
***
... س: ما هو نسبه صلى الله عليه وسلم ؟
ج: هو النبي الأمي، الرسول العربي، محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن

(1/13)


خُزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو من ذرية إسماعيل الذبيح عليه السلام .
وأُمّه صلى الله عليه وسلم: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب .. إلى آخر ما تقدم من نسب أبيه .
***
... س: متى كانت ولادته صلى الله عليه وسلم ؟
ج: وُلِدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول بعد قصة الفيل بخمسين ليلة على المشهور . ولما بلغ أربعين سنة من عمره الشريف نزل عليه الروح الأمين وبعثه الله رحمة للعالمين، وأقام صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة ثم هاجر إلى المدينة وأقام بها عشر سنين، وتوفي صلى الله عليه وسلم بالمدينة سنة إحدى عشرة من الهجرة ودفن بها وعمره ثلاث وستون سنة وهو حي قبره يسمع صلاة المصلين وسلام المسلِّمين عليه صلى الله عليه وسلم، فعنه صلى الله عليه وسلم: (( حيثما كنتم فصلُّوا عليَّ فإنَّ صلاتكم تبلغني )) . رواه الطبراني ، وروي البيهقي في (شعب الإيمان) وابن عدي أنّه صلى الله عليه وسلم قال: (( أكثروا من الصلاة عليَّ في الليلة الغراء واليوم الأزهر فإن صلاتكم تعرض عليَّ ))،

(1/14)


وقال صلى الله عليه وسلم: (( ما من أحد يسلم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ رُوحي حتَّى أَرُدَّ عليه السلام )) . رواه أبو داود .
***
... س: كم أولاده صلى الله عليه وسلم وأزواجه ؟
ج: أولاده عليه السلام سبعة، ( ثلاثة بنين ) وهم: القاسم و عبدالله ويقال له: الطيب والطاهر . والثالث: إبراهيم، وكلهم ماتوا صغارا . ( وأربع بنات ) وهُنَّ: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة الزهراء، وهي أصغرهن وأفضلهن، وعاشت بعده صلى الله عليه وسلم نحو ستة أشهر .
وأمّ الجميع - إلا إبراهيم - خديجة الكبرى بنت خويلد وهي سيدة نسائه وأسبقهن إسلاما ونكاحا، وباقي نسائه: عائشة بنت أبي بكر الصديق، وسَوْدة بنت زمعة، وحفصة بنت عمر ابن الخطاب، وزينب بنت خزيمة، وأم سلمة هند بنت أبي أمية،

(1/15)


وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث الخزاعية، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وصفية بنت حيي، وميمونة بنت الحارث الهلالية .
فالمشهورات من أزواجه عليه السلام ( إحدى عشرة امرأة )، مات منهن في حياته خديجة وزينب بنت خزيمة وتوفي عن ( التسع ) البواقي .

***

(1/16)


خصائصه صلى الله عليه وسلم
... س: ما هي خصائصه صلى الله عليه وسلم ؟
ج: قد امتاز نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء بخصائص كثيرة منها: ما روى الإمام أحمد مرفوعاً: (( أنا محمد النبي الأمي لا نبي بعدي أوتيت جوامع الكلم وخواتمه )). ومنها: تفضيله صلى الله عليه وسلم على الأنبياء والمرسلين والخلائق أجمعين .
ومنها: كونه خاتم الأنبياء والرسل فلا نبي بعده ولا رسول . وما روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق الأرض عنه و لا فخر )) رواه الترمذي، وفي رواية له أيضاً: (( وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر )).
ومنها: عموم رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الجن والإنس والعرب والعجم، روى الشيخان عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهُنَّ أحد قبلي، ونصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً،

(1/17)


فأيَّمَا رجل من أمتي أدركته الصلاة فليُصلِّ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة )).
ومنها: أن الله تعالى جعل أمته خير الأُمَم ونسخ بشريعته جميع الشرائع، قال الله تعالى: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } , وقال تعالى: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } .
وقال عليه الصلاة والسلام: (( لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار )) رواه مسلم.
***

(1/18)


معجزاته عليه الصلاة والسلام
... س: كيف كانت معجزاته عليه الصلاة والسلام ؟
ج: كانت معجزاته صلى الله عليه وسلم كثيرة مشهورة أعظمها وأشهرها: القرآن الكريم الذي أعجز الله الخلق عن معارضته والإتيان بمثله مع تحديهم بذلك ومع بذل جهدهم فيما هنالك، قال الله تعالى: { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) } , فهو معجزة باقية إلى آخر الدهر لا يزال برهانه قائماً، وإعجازه مستمراً، ولا تنقضي عجائبه، ولا تنفد غرائبه، وفيه نبأ الأولين والآخرين، وينطبق مع كل زمان إلى يوم الدين .
ومن معجزاته عليه الصلاة والسلام الباهرة: انشقاق القمر وذلك أن كفار مكة طلبوا منه صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية تدل على صدقه ونبوته، وأن تكون تلك الآية انفلاق القمر، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه فانشق القمر فلقتين وهم ينظرون، فقال صلى الله عليه وسلم: اشهدوا، ثم إنَّ الكفار سألوا أهل الآفاق هل رأوا مثل ذلك ؟ فأخبروا أنهم رأوا ذلك،

(1/19)


فقالوا: إنَّ محمداً سحر أهل الأرض، فأنزل الله تعالى هذه الآية: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) } , روى ذلك أصحاب السنن .
ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم: نبع الماء من بين أصابعه الشريفة وقع له ذلك مراراً عديدة، منها: ما رواه البخاري عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه قال: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة يتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالكم ؟ قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ به ونشرب إلاّ ما في ركوتك، قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الرَّكوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا، فقيل لجابر: كم كنتم يومئذ ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا ؛ كُنَّنا خمس عشرة مائة .
ومن معجزاته أيضاً: حنين الجذع الذي كان صلى الله عليه وسلم يستند إليه إذا خطب، فلمَّا اتخذ المنبر وقعد عليه حنَّ الجذع حنين الناقة إلى ولدها، وفي رواية (( خار الجذع كخوار الثور حتى ارتجَّ المسجد بخواره، فنزل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتزمه فسكت، فقال: والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا

(1/20)


إلى يوم القيامة حزناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم )).
رواه الترمذي والبيهقي وغيرهما .

***

(1/21)


صفاته صلى الله عليه وسلم الخَلْقيَّة
... س: ما هي صفاته صلى الله عليه وسلم الخَلْقيَّة ؟
ج: قال العلماء رحمهم الله: أن من تمام الإيمان به صلى الله عليه وسلم أنْ نعتقد أن الله تعالى خلق جسده الشريف على وجه لم يظهر قبله ولا بعده مثله، خلقه الله على أجمل صورة فيها جميع المحاسن محصورة وعليها مقصورة .
فكان عليه الصلاة والسلام أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحسنه وأحلاه من قريب، قال البراء بن عازب : (( ما رأيتُ من ذي لِمَّةٍ سوداء في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ))، وقال أبو هريرة: (( ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه ، وإذا ضحك تلألأ وجهه كالبدر ))، وقال أنس بن مالك: (( ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم )) .
وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لم يكن بالطويل الممغط ولا بالقصير المتردد،

(1/22)


كان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط، كان جعداً رجلاً، ولم يكن بالمطهَّم ولا بالمكلْثَم (1)، وكان أسيل الخد أبيض مشرباً بحمرة أدعج العينين(2) ، أهدب الأشفار ذا مسربة (3)، شَثْن الكفِّ والقدمين، جليل المشاش و الكتد(4)، إذا التفت جميعاً ، وإذا مشى يتكفأ تكفؤاً كأنما ينحط من صَبَب، بين كتفيه خاتم النبوة (5)، وهو خاتم النبيين، أجود الناس صدراً ، وأشجعهم قلباً، وأصدقهم لهجة ، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبَّه، يقول ناعِتُه: لم أرَ قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم )) رواه الترمذي .
وعن هند بن أبي هالة رضي الله عنه قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخماً مفخماً، يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر، عظيم الهامة رجل الشعر، أزهر اللون، واسع الجبين،
__________
(1) - المطهّم : الفاحش في السمن . و المكلثم : شديد استدارة الوجه .
(2) - أي شديد سوادهما.
(3)- وهي خيط الشعر الذي بين الصدر والسرّه .
(4)- المشاش: رؤوس الأصابع ، و الكتد: مجتمع الكتفين.
(5)- و هو بضعة لحمة ناشزة كبيضة الحمامة أو كزر الحجلة أو كاتفاح الصغيرة عليها خيلان.

(1/23)


أزجُّ الحواجب ، أقنى العرنين ، كث اللحية، ضليع الفم ، دقيق المسرُبة، مفلج الأسنان، معتدل الخلق ، سواء البطن والصدر، بعيد ما بين المنكبين ، ضخم الكراديس ، أنور المتجرد ، رحب الراحة ، سائل الأطراف ، خُمْصان الأخمصين، مسيح القدمين ، خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلّ نظره الملاحظة ، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام ) اهـ ملخصاً .

***

(1/24)


صفاته صلى الله عليه وسلم الخُلُقيَّة
... س: كيف كانت صفاته صلى الله عليه وسلم الخُلُقيًّة ؟
ج: كما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خَلقاً، فكان أحسنهم خُلُقاً، قد جمع الله فيه محاسن الأخلاق ما لم يجمعه في غيره على الإطلاق، وأدَّبه في كتابه العزيز بأحسن الآداب كلها، فقال تعالى: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) } ، وقال عليه الصلاة والسلام: (( أدَّبَني ربي فأحسن تأديبي))، و قال: (( بُعثْتُ لأُتِّمم مكارم الأخلاق )). فلمَّا كملت فيه صلى الله عليه وسلم هذه الآداب أثنى عليه بقوله: { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) } .
وسُئِلتْ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: (( كان خُلُقهُ القرآن )) أيْ: يرضى لرضاه ويسخط لسخطه، وقال أنس رضي الله عنه : (( خدمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي: أفٍّ قط، ولا قال لشيءٍ صنعته: لِمَ صنعته، ولا لشيءٍ تركته: لِمَ تركته، وكانت خدمته لي أكثر من خدمتي له )) .

(1/25)


وعن علي رضي الله عنه قال: (( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم دائم البشر، سهل الخلق ليّن الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهيه، ولا يُؤيس منه ولا يُخيَّب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه . وترك الناس في ثلاث: كان لا يذم أحداً ولا يعيبه، ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلاّ فيما يرجو ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ ، حديث آخرهم حديث أوَّلهم ، يضحك مما يضحكون منه ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إنْ كان أصحابه ليستجلبونه ويقول: إذا رأيتم صاحب حاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يقبل الثناء إلاّ من مكافئ، ولا يقطع على أحدٍ حديثه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام )) .
وروى الترمذي: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلف البعير، ويَقُمُّ البيت، ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويحلب الشاة، ويأكل مع الخادم، ويطحن معه إذا أعيى، وكان لا يمنعه الحياء أن يحمل بضاعته من السوق إلى أهله، ويصافح الغني والفقير، ويسلم مبتدئا، ولا يحقر ما دعي إليه ولو إلى حشف التمر،

(1/26)


وكان هيِّن المؤنة، لين الخلق، كريم الطبيعة، جميل المعاشرة، طلق الوجه، بسَّاماً من غير ضحك، محزونا من غير عبوس، متواضعاً من غير مذلة، جواداً من غير سرف، رقيق القلب رحيماً بكل مسلم، لم يتجشأ قط من شبع، ولم يمد يده إلى طمع، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وبارك وشرف وكرم )) .

***

(1/27)


حق رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته
... س: ما حقه عليه الصلاة والسلام على أمته ؟
ج: اعلم أن حقه عليه الصلاة والسلام على أمته أعظم الحقوق وأوجبها بعد حق الله تعالى . فمن حقه عليهم المتابعة لسنته والنصر لدينه وشريعته، قال الله عز وجل: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } وقال صلى الله عليه وسلم: (( المتمسِّك بسنَّتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد ))، وقال صلى الله عليه وسلم: (( من أحيا سُنَّتي فقد أحياني، ومن أحياني كان معي في الجنة )) رواه الترمذي .
ومن حقه صلى الله عليه وسلم كمال المحبة والمودة له حتى يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق وكذا محبة أهل بيته وأصحابه وذريته، قال صلى الله عليه وسلم: (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين )) متفق عليه . وقال صلى الله عليه وسلم: (( أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي )) رواه الترمذي .
وقال عليه الصلاة والسلام: (( الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبَّهم فبحُبِّي أحبَّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم،

(1/28)


ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تبارك وتعالى، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه )) رواه أحمد.
ومن حقه عليهم تعظيمه وتوقيره عليه الصلاة والسلام، وقد أمر الله بذلك في كتابه، قال تعالى: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) } أيْ: تُجِلُّوه وتبالغوا في تعظيمه، فتعظيمه صلى الله عليه وسلم من تعظيم الله كما أن طاعته عين طاعة الله ومحبته عين محبة الله، قال تعالى: { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } , وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ } , وقال تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } .
وكان الصحابة رضي الله عنهم هم المثل الأعلى في حبِّه وتعظيمه صلى الله عليه وسلم، فروى البخاري وغيره في قصة الحديبية (( أنَّ عروة ابن مسعود الثقفي حين وجهته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى من تعظيم أصحابه له صلى الله عليه وسلم ما رأى ولما رجع إليهم قال: أيْ قَومي: والله لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، فَما رأيتُ مَلكاً قط يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمدا، إنَّه ما تنخم نخامة إلاّ وقعت في كف أحدهم فدلك بها وجهه ويده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره،

(1/29)


وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدُّون النظر إليه تعظيما له )).
ومن حقه: الإكثار من الصلاة والسلام عليه وقد أمر الله بذلك في كتابه، فقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) } , وقال عليه الصلاة والسلام: (( من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات ورفع له عشر درجات )) رواه الإمام أحمد وغيره ، وقال صلى الله عليه وسلم: (( أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة )) رواه الإمام أحمد وغيره .
و ورد أيضاً: (( إنَّ أنجاكم يوم القيامة من أهوالها ومواطنها أكثركم علي صلاة )) ذكره القاضي عياض في ( الشفاء ).
***

(1/30)


في لزوم جماعة المسلمين واتباع السلف الصالح
... س: ما يجب على المسلم عند وقوع الاختلاف ؟
ج: اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر عند الاختلاف بلزوم السواد الأعظم وهو الجمهور الأكثر من المسلمين، وأخبر أنَّ أمته معصومون من الاجتماع على ضلال أو خطأ في الدين، فروى ابن ماجه مرفوعاً: (( إنَّ أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم ))، و روى الترمذي وأبو نُعيم والحاكم من حيث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إنَّ الله لا يجمع أمتي على ضلالة أبدا، يد الله مع الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، ومن شذَّ شذَّ في النار ))، و روى الإمام أحمد وغيره مرفوعا : (( سألت ربي أنْ لا يجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها )) .
قال العلماء: ولم يزل بحمد الله تعالى أهل السنة من الزمان الأوَّل إلى اليوم هم السواد الأعظم فصح بذلك أنهم الفرقة الناجية الملازمة للكتاب والسنة وما عليه يلف الأمة من الصحابة والتابعين وصدور الأئمة المجتهدين و إليها الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ بني إسرائيل افترقت على اثنتين وسبعين ملة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين

(1/31)


ملة كلها في النار إلا مِلَّة واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله ؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي )) رواه الترمذي والبيهقي .
***
... س: ماذا يجب على من لم يبلغ رتبة الاجتهاد ؟
ج: يجب على كل مؤمن متبع للشريعة المحمدية أن يعتقد ما جاء به صريح القرآن والسنة ويعتمد في ذلك قول العلماء الأعلام المشهورين عند الخاص والعام كالأئمة الأربعة الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم من الأئمة، فمن قلَّد أحداً منهم في العمل بما فهموه من كتاب الله وسنة رسوله فهو نَاجٍ عند الله في ذلك التقليد حيث أنَّ الله تعالى قد أذن للمجتهدين أن يجتهدوا وللمقلدين أن يقلدوا، فقال تعالى: { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) } ، فيتعين على غير المجتهد تقليد أحد من الأئمة المجتهدين فإن ذلك هو سيبل المؤمنين، ويترك دعوى الاجتهاد وأخذ الأحكام من الكتاب والسنة بدون حاجة إلى تقليد هؤلاء الأئمة فإنه من زمن الصحابة والتابعين قد تقررت الأحكام وقواعد الإسلام وتم أخذه من الكتاب والسنة ودونت على ذلك كتب الأصول والفروع فلم يبق لمن بعدهم

(1/32)


إلا الرجوع إلى تلك الأحكام وتقليد هؤلاء العلماء الأعلام المشهورين بعلمهم لدى الخاص والعام .
***
... س: ما ثمرة الاختلاف بين الأئمة المجتهدين ؟
ج: اعلم أن الاختلاف الواقع بين الأئمة المجتهدين رحمة من الله تعالى لهذه الأمة المرحومة، فإنهم لم يختلفوا في أصول الدين وأمهات الشريعة وإنما اختلافهم في بعض المسائل الفرعية عند عدم ثبوت نصوصها القطعية أو تعدد الأقيسة، والاختلاف في ذلك يوجب اليسر والتوسعة على الناس، و رفع الحرج عنهم والضيق والبأس، وهو موافق لما يريده الله في سابق علمه، حيث قال تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } ، وقال تعالى: وَمَا { جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .
و ورد في الخبر عن خير البشر: (( اختلاف أمتي رحمة )) أخرجه الشيخ المقدسي في كتابه ( الحُجة ) ونقله السيوطي في ( الخصائص الكبرى ).

(1/33)


وأخرج الخطيب عن إسماعيل بن أبي المجالد أن هارون الرشيد قال للإمام مالك بن أن ... س: يا أبا عبدالله نكتب هذه الكتب أيْ: ( الموطأ ) ونفرقها في آفاق الإسلام لنحمل عليها الأُمَّة، قال: يا أمير المؤمنين إنَّ اختلاف العلماء رحمة من الله على هذه الأمة، كُلٍّ يتبع ما صح عنده، وكُلٍّ على هُدى، وكُلٍّ يُريد الله .
واعلم أن المختلفين في الفروع هم المشار إليهم بقوله تعالى: { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } فهم المرحومون واختلافهم رحمة، وأما المختلفون في أصول الدين فغير مرحومين ولا مرضيين إلاّ من وافق الحق منهم وهم أهل السنة والجماعة المتمسكون بما كان عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما تقدم .

* * *

(1/34)


في البدعة وأقسامها
... س: إلى كم تنقسم البدعة ؟
ج: قسم العلماء رحمهم الله البدعة إلى قسمين: حسنة وقبيحة .
... س: ما هي البدعة الحسنة ؟
ج: البدعة الحسنة: هي ما رواه أئمَّة الهدى مما يوافق الكتاب والسنة من حيث لإيثار الأنفع والأصلح، وذلك كجمع القرآن في المصحف، وجمع الناس لصلاة التراويح، والأذان الأول يوم الجمعة، وكإحداث الربط والمدارس وكل إحسانٍ لم يُعهد في العهد النبوي فهو بدعة حسنة يثاب عليها عاملها، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (( من سَنَّ سُنَّة حسنة في الإسلام فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شي ء )) رواه مسلم.
***
... س: ما هي البدعة المذمومة التي حذرنا منها الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
ج: البدعة المذمومة هي كل ما خالف نصوص الكتاب والسنة أو خرق إجماع الأمة كالمذاهب الفاسدة والعقائد الزائفة المخالفة لما عليه أهل السنة .

(1/35)


... س: ما الدليل على ذلك ؟
ج: والدليل على ذلك الأحاديث الواردة في ذم البدعة كقوله صلى الله عليه وسلم: (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) ، فالمراد بذلك المحدثات الباطلة التي لا يرضاها الله ورسوله، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (( من ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيء )) . رواه الترمذي و ابن ماجه . وقوله صلى الله عليه وسلم: (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) رواه الشيخان.
***
... س: لقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضَّوا عليها بالنواجذ وإيَّاكم ومحدثات الأمور فكل محدثة بدعة )) رواه أبو داود و الترمذي و زاد في رواية: (( وكل ضلالة في النار ))، فماذا قال العلماء في هذا الحديث ؟
ج: قال العلماء رحمهم الله: إنَّ هذا الحديث من العام المخصوص، والمراد المحدثات الباطلة والبدع المذمومة التي ليس لها أصل في الشرع فهي المنهي عنها، بخلاف ما لها في الشرع أصل فإنها

(1/36)


محمودة إذْ هي بدعة حسنة وسنة الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين، ولا يمنع كون الحديث عامَّاً مخصوصاً قوله فيه: (( كل بدعة )) مؤكداً بكل: بل يدخلهُ تخصيص مع ذلك كقوله تعالى: { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ } أي: كل شيء يقبل التدمير .

***

(1/37)


صفة الفرق المبتدعة
... س: هل وصف لنا الرسول صلى الله عليه وسلم صفة الفرق المبتدعة ؟
ج: نعم، لقد وصف لنا الرسول صفة أهل البدع، أنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في المشركين فحملوها على المؤمنين كمثل قوله تعالى: { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) } وقوله تعالى: { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً } ، وقوله تعالى: { وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ } وقوله: { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } ، وأشباه ذلك من الآيات الصريحة في المشركين الذين يعتقدون ألوهية غير ذلك واستحقاقه العبادة.
قال العلماء نفع الله بهم: وكلامهم هذا كله تلبيس في الدين وتضليل على عوام المسلمين، فإنَّ أحداً من المؤمنين الموحدين لم يعتقد هذا الاعتقاد أصلاً فكيف يجعلونهم بمنزلة هؤلاء المشركين سبحانك هذا بهتان عظيم .
وقد ذكر العلماء: أنه ليست لهؤلاء الفرقة الشاذة قواعد يستندون إليها ولا شي ء من المذاهب يعولون عليها وإنما أكثرهم من ضعفاء الطلبة الملحقين بالعوام فليسوا ممن يشار إليهم ولا يعدون من علماء الإسلام .

(1/38)


وقد تصدى للرد على هؤلاء المبتدعين جماعة من العلماء المحققين الناصحين لله ورسوله ولعباده المؤمنين، فبينوا للناس أحوالهم وضلالهم وألَّفوا في ذلك الكتب الكثيرة ككتاب ( شفاء السقام ) للإمام تقي الدين السبكي، و كتاب ( شواهد الحق ) للإمام النبهاني، وكتابي ( خلاصة الكلام ) و ( الدرر السَّنيَّة ) للسيد العلامة أحمد بن زيني دحلان، وكتاب ( غوث العباد ) للشيخ العلامة أبو يوسف الحمامي، وكتاب ( فرقان القرآن ) للشيخ العلامة سلامة القضاعي، وكتاب ( صلح الأخوان ) للشيخ داود الأفندي، وكتاب ( براءة الأشعريين من عقائد المخالفين ) لأبي حامد ابن مرزوق ، و ( الصواعق الإلهية ) للشيخ سليمان بن عبدالوهاب، وكتاب ( نَفَس الرحمن ) للعلامة إسماعيل بن مهدي الغرباني ، وكتاب ( الجوهر المنَظم ) للإمام ابن حجر ، إلى غير ذلك .

***

(1/39)


التحذير من تكفير المسلمين
... س: هل يجوز للمسلم أن يكفر أحداً من أهل ( لا إله إلا الله ) ؟
ج: لا يجوز . فإن ذلك أمر خطير لا يتجاسر عليه إلا من أضله الله وأغواه وساء ظنّه واتبع هواه.
... س: ما الدليل على ذلك ؟
ج: قد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا كفَّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما، إنْ كان كما قال وإلاّ رجعت إليه )) رواه مسلم.
قال الإمام أبوبكر الباقلاني رحمه الله: إنَّ إدخال ألف كافر في الإسلام بشبهة إسلام واحدة أهون من تكفير مسلم واحد بألف شبهة كفر . اهـ .
فإذا كان هذا في تكفير مسلم واحد فما بال من يتجاسر على تكفير جمهور المسلمين ويحكم عليهم بالشرك بمجرد ما صدر منهم من التوسل والتبرك بآثار الصالحين مع تحقيق إيمانهم وامتلاء قلوبهم بتوحيد الله رب العالمين .

(1/40)


ويكفي في الرَّد على من يزعم ذلك ويسلك في هذا المذهب الذي في المهالك، قول الصادق صلوات الله وسلامه عليه: (( إنَّ الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم )) رواه مسلم و الترمذي، فقد شهد صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بأن المصلين في هذه الأمة لا يعبدون غير الله أبدا ولا يشركون مع الله إلهاً آخر، وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: (( إنَّ الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضكم هذه بعد هذا اليوم أبدا ولكنه رضي منكم بما دون ذلك مما تحتقرون من أعمالكم فاحذروا على دينكم )) ، وهو صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلاّ وحيٌ يوحى.

* * *

(1/41)


في حقيقة العبادة
... س: ما معنى العبادة ؟
ج: ذكر العلماء المحققون أن العبادة شرعا هي: الإتيان بأقصى غاية الخضوع مع اعتقاد ربوبية المخضوع له أو شيء من خصائصها، كاستقلال بالنفع والضر . وأما مع انتفاء هذا الاعتقاد فلا يكون المأتي به عبادة أصلا ولو كان ذلك سجودا فضلا عما دونه، ويدل لذلك أمر الله تعالى الملائكة بأن يسجدوا لآدم فسجدوا له، وحكى عن نبي الله يعقوب وامراته وأولاده أنهم سجدوا ليوسف، قال تعالى: { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا } (يوسف) .
قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: أي سجد له أبواه وإخوانه الباقون وكانوا أحد عشر رجلا، وقد كان سائغا في شرائعهم إذا سُلّم على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا في الملة جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام، فحرم هذا في هذه الملة، وجُعِلَ السجود مختصا بجناب الرَّب تعالى، في الحديث: (( أنّ معاذاً قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفهم فلمَّا رجع سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا يا معاذ ؟! فقال إني رأيتهم يسجدون لأساقفهم

(1/42)


وأنت أحق أن يُسجد لك، قال: (( لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) رواه الترمذي . والغرض أن َّ هذا كان جائزاً في شريعتهم . اهـ
فلو أنَّ مجرَّد السجود لغير الله عبادة مطلقا لما كان ذلك سائغاً في دين من الأديان لآنه حينئذ كفر، وما هو كفر لا يختلف باختلاف الشرائع ولا يأمر الله به في حين من الأحيان، قال تعالى: { وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ } . فعلم أن السجود وغيره من أنواع الخضوع لا يكون عبادة شرعاً إلاّ باعتقاد ما تقدم، كسجود المشركين لآلهتم ودعائهم إياها حيث اعتقدوا ذلك، أي أنهم كفروا بذلك لاعتقادهم فيما سجدوا له الاستقلال بالنفع والضر ونفوذ المشيئة لا محالة مع الله تعالى، وقد كانوا يعتبرون أن الله هو الرب الأكبر ولمعبوداتهم ربوبية دون ربوبيته ولمقتضى ما لهم من الربوبية وجب لهم نفوذ المشيئة من الله تعالى، وأن شفاعتهم مقبولة لا ترد وليست متوقفة على إذنه تعالى، يدل على ذلك قوله تعالى منكراً ما اعتقدوه: { أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ } ، وقوله تعالى: { أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43) } ، وغير ذلك من الآيات .
وأمَّا ابتغاء المسلم إلى الله وسيلة وسؤاله إيّاه مستشفعاً برسوله ونداؤه مستغيثا به ونذره وذبحه لأحد من الأنبياء والأولياء

(1/43)


بقصد التصدق عنه وتمسحه وطوافه بقبره فليس ذلك كله من عبادة غير الله بشيء، إذْ لا يوجد أحد من المسلمين من يعتقد ربوبية غير الله أو يعتقد النفع والضر والتأثير لأحد سواه .
***
... س: ولماذا نرى بعض الناس يتجاسر على تكفير المسلمين ؟
ج: اعلم أنَّ شُبهة هؤلاء الفرقة التي قد توصلوا بها إلى تكفير المسلمين قولهم: ( كل عبادة لغير الله شرك )، هذا وإن كان صحيحاً معلوماً لدى الخاص والعام، ولكنهم قد ضَلّوا وأضَلُّوا حيث يبنون على هذه القاعدة أموراً فاسدة ودعاوي كاذبة، كزعمهم كل نداء لميت أو لغائب ونذر وذبح لنبي أو ولي وطواف وتمسح بقبر فهو عبادة لغير الله ومن يفعل شيئا من ذلك فهو كافر مشرك بالله .
وهذا جهل منهم وخطأ صريح مخالف لما عليه أهل الحق والمذهب الصحيح، وذلك لعدم تفطنهم إلى ما اعتبره الشرع في معنى العبادة وحقيقتها ؛ أعني الإتيان بأقصى غاية الخضوع مع اعتقاد ربوبية المخضوع له أو شيء من خصائصها مع الاستقلال بالنفع والضر، فاعلم ذلك و افهم ولا تزِلَّ بك القَدم .

* * *

(1/44)


في إثبات الشفاعة
... س: ما هي الشفاعة التي يعتقدها أهل التوحيد ؟
ج: الشفاعة التي يعتقدها أهل التوحيد هي: دعاء الشافع للمشفوع له فيستجيبه الله بفضله لمن شاء .
... س: هل هي جائزة ؟ وما الدليل على جوازها ؟
ج: نعم هي جائزة، والدليل على جوازها قوله تعالى في كتابه العزيز: { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } وقوله تعالى: { وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) } .
* * *
... س: فما هي الشفاعة التي نفاها القرآن وأبطلها ؟
ج: الشفاعة التي نفاها القرآن وأبطلها هي الشفاعة الشركية التي يعتقدها المشركون لآلهتهم، وهي ما كان بغير إذنه تعالى ورضاه فإنهم يرون أن شفاعتهم مقبولة لا ترد وليست متوقفة على إذن الله تعالى .

(1/45)


أمَّا الشفاعة بإذنه ورضاه من عباده المصطفين الأخيار لعصاة الموحدين فليس فيها محذور، واعتقادها من الدين، فإنها من باب الدعاء وهو تعالى يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله .

* * *

(1/46)


التبرك بآثار الصالحين
... س: هل يجوز التبرك بآثار الصالحين ؟
ج: نعم، يجوز ذلك .
... س: ما الدليل على ذلك ؟
ج: لذلك أدلة كثيرة من جملتها ما ثبت من تبرك الصحابة رضي الله عنهم و استشفاعهم بآثار النبي صلى الله عليه وسلم، في حياته وبعد مماته وفي ذلك أحاديث وآثار كثيرة نورد بعضها مع الاختصار :
أخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه في البردة التي استوهبها من النبي صلى الله عليه وسلم فلاَمَه أصحابه على طلبها منه صلى الله عليه وسلم وكان لابسها، فقال: (( إنما سألته إياها لتكون كفني ))، وفي رواية: (( رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم، لَعلِّي أُكفن فيها )).
وأخرج مسلم في صحيحه: أنَّ أسماء بنت أبي بكر الصديق في حديث قالت فيه: (( هذه جُبَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرجت إلي جُبَّة طياليسية كسروانية،

(1/47)


قالت: هذه كانت عند عائشة فلما قبضتْ قبضتها فنحن نغسلها للمرضى فنستشفي بها )). وأخرج الشيخان عن عبدالله بن موهب قال: (( أرسلتني أُمي إلى أمِّ سلمة رضي الله عنها بقدح من ماء، فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها فتمخضه له فيشرب منه، فاطَّلعْتُ في الجلجل فرأيتُ شعراتٍ حُمْر )).
وفي الصحيحين عن أمِّ سليم: (( أنها فتحت عتيدتها - أي صندوقها الصغير - فجعلت تُنَشِّف فيه عرقه صلى الله عليه وسلم فتعصره في قواريرها، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما تصنعين يا أم سليم ؟ فقالت: يارسول الله نرجو بركته لصبياننا، فقال: أصَبْتِ ))، وهذا لفظ مسلم .
وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (( لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحلاق يحلقه وطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعره إلاّ في يد رجل منهم )) . فكان الصحابة رضي الله عنهم بشعره صلى الله عليه وسلم للتبرك والاستشفاء وقد ثبت أن خالد بن الوليد رضي الله عنه كان يضع في قلنسوته من شعرات النبي صلى الله عليه وسلم فسقطت قلنسوته في بعض حروبه، فشدَّ عليها يبحث عنها حتى أنكر عليه بعض الصحابة

(1/48)


لكثرة من قتل بسببها، فقال خالد: لم أفعل ذلك بسبب القلنسوة بل لما تضمنته من شعره صلى الله عليه وسلم لئلا أسلب بركتها وتقع في أيدي المشركين .
وفي صحيح البخاري عن أبي جحيفة قال: (( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أدم ورأيت بلالاً أخذ وضوء النبي صلى الله عليه وسلم والناس يبتدون الوضوء فمن أصاب منه شيئاً تمسح به ومن لم يصب منه شيئاً أخذ من بلل صاحبه )) يعني: للبركة والاستشفاء .
وفي مسند الإمام أحمد عن جعفر بن محمد قال: (( كان الماء يستنقع في جفون النبي صلى الله عليه وسلم حين غسلوه بعد موته فكان علي رضي الله عنه يحسوه )) أي: يحسو ذلك الماء من بركاته صلى الله عليه وسلم . و روي (( أن معاوية كان عنده شيء من شعره وقلامة ظفره صلى الله عليه وسلم، فلمَّا حضرته الوفاة أوصى أنْ يكون ذلك على عينيه وتحت لسانه )) ذكره النووي في تهذيب الأسماء .

(1/49)


... س: ما حِكمة التبرك بآثار الصالحين ؟
ج: ذكر بعض العارفين أن حكمة التبرك بآثار الصالحين وأماكنهم وما يتصل بهم: أنَّ أماكنهم متصلة بثيابهم وثيابهم اشتملت على أجسادهم وأجسادهم اشتملت على قلوبهم وقلوبهم في حضرة ربهم فإذا أفاض الله على قلوبهم من الفيوضات الربَّانيِّة سَرَت بركتها إلى ما يتصل بها وما يجاورها، كقوله تعالى: { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ } أي من أثر حافر فرس الرسول كما جاء في التفسير .
***
... س: هل التبرك بآثار الصالحين هو حقيقة التوسل بالذات ؟
ج: نعم، التبرك بآثار الصالحين هو حقيقة التوسل بالذات وأن هذا جائز ومشروع، إذْ معناه أن يتخذ العبد وسيلة أيْ واسطه إلى الله في مقاصده لما ثبت لتلك الواسطة عند الله من الفضل .
***
... س: لماذا يحكم بأنه جائز ومشروع ؟
ج: يحكم بأنه جائز ومشروع لأن هذا التبرك منهم - أي الصحابة في سائر كرباتهم - إمّا أن يكون عبثاً لا معنى له ولا بغية لهم فيه، فحاشاهم من هذا العمل الأجوف، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنْ يُقرّهم على ذلك .

(1/50)


فإذاً لابُد أنْ يكون لهم غرض صحيح وغاية يطلبونها وهو طلب البركة والشفاعة والرحمة من الله تعالى بفضل تلك الآثار الشريفة عند الله تعالى .

* * *

(1/51)


التوسُّل
... س: ما معنى التوسل بأحباب الله ؟
ج: التوسل بأحباب الله هو جعلهم واسطة إلى الله تعالى في قضاء الحوائج لما ثبت لهم عنده تعالى من القدر والجاه مع العلم بأنهم عبيد ومخلوقون لله ولكن الله قد جعلهم مظاهر لكل خير وبركة ومفاتيح لكل رحمة .
فالمتوسل في الحقيقة لا يسأل حاجته إلاّ من الله ويعتقد أن الله هو المعطي والمانع دون سواه، وإنما تقدم إليه تعالى بالمحبوبين لديه لكونهم أقرب منه إليه، فهو تعالى يقبل دعاءهم وشفاعتهم لمحبته لهم ولمحبتهم له، والله يحب المحسنين ويحب المتقين وفي الحديث القدسي يقول الله تبارك وتعالى: (( ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه )) رواه البخاري .

(1/52)


... س: ما حكم التوسل بأحباب الله تعالى ؟
ج: التوسل بأحباب الله تعالى من النبيين عليهم الصلاة والسلام والصالحين رضي الله عنهم جائز بإجماع من يعتد بإجماعهم من علماء المسلمين، بل هو سبيل المؤمنين وطريق عباد الله المرضيين ولم يزل معروفاً سلفاً وخلفاً ومعلوماً لدى كل دين .
... س: كيف بمن زعم أن التوسل شرك وكفر وأن المتوسلين مشركون وكافرون ؟
ج: لا عبرة بمن شذ وفارق الجماعة فزعموا أن التوسل شرك أو حرام وحكموا على المتوسلين بكونهم مشركين وهذا واضح البطلان لأنه يؤدي إلى إجماع معظم الأمة على الحرام أو الإشراك وذلك محال لثبوت عصمة هذه الأمة المحمدية من الاجتماع على الضلالة بإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (( سألت ربي أنْ لا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها )) رواه الإمام أحمد والطبراني، و روى الحاكم عن ابن عباس مرفوعاً: (( لا يجمع الله أمتي على الضلالة أبدا ))، وَ ورد: (( ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن )) .
* * *

(1/53)


... س: وهل عليه دلالة من الكتاب ؟
ج: نعم، أما أدلة الكتاب عليه فقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } فهذا أمر من الله تعالى بابتغاء الوسيلة . وهي كل ما جعله الله سبباً لِلزُّلْفَى عنده ووصله إلى قضاء الحوائج منه .
* * *
... س: هل التوسل مقصور بالأعمال فقط دون الذوات ؟
ج: لا، فإن الآية عامة فتشمل وسائل الأعمال الصالحة والعمال الصالحين أيْ الذوات الفاضلة، كالنبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأولياء المتقين .
وأما من ادَّعى جواز التوسل بالأعمال دون الذوات وقَصَر مراد الآية على الأوَّل فلا دليل على ذلك لكون الآية مطلقة، بل حملها على المعنى الثاني أقرب لأنه سبحانه أمر بالتقوى عبارة عن فعل المأمورات واجتناب المنهيات، فإذا فسرنا ابتغاء الوسيلة بالأعمال الصالحة صار الأمر فيه تكراراً وتأكيداً، ولكن إذا أريد بالوسيلة الذوات الفاضلة كان تأسيساً وهو مقدم على التأكيد، وأيضاً فإنه إذا جاز التوسل بالأعمال مع كونها أعراض مخلوقه فالذوات المرضية عند الله أولى بالجواز باعتبار ما فيها من حيازة أعلى مراتب الطاعة واليقين والمعرفة بالله رب العالمين .

(1/54)


وقال الله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) } وهذا صريح في اتخاذه صلى الله عليه وسلم وسيلة إلى الله تعالى لقوله { جَاءُوكَ } ، وقوله: { وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ } ، ولولا ذلك فما الفائدة من قوله: { جَاءُوكَ } .
***
... س: هل جواز التوسل عام بالأحياء والأموات ؟
ج: نعم، فإن الآية أيضاً عامة في حياته الدنيوية وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم .
وقد ثبت بأنهم أحياء في قبورهم وأن أرواحهم في حضرة ربهم، فمن توسل بهم وتوجه إليهم توجهوا إلى الله تعالى في حصول مطلوبه، فالمسئول في الحقيقة هو الله وهو الفاعل الخالق دون سواه فإننا - معاشر أهل السنة والجماعة - لا نعتقد تأثيراً ولا خلقاً ولا نفعاً ولا ضراً إلاّ لله وحده لا شريك له، والأنبياء والأولياء لا تأثير لهم في شيء إنما يتبرك بهم ويستغاث بمقامهم لكونهم أحباء الله تعالى الذين بسببهم يرحم الله عباده فلا فرق حينئذ بين كونهم أحياء أو أمواتا، فالفاعل في الحالتين هو الله على الحقيقة .

(1/55)


وأما الذين يفرقون بين الأحياء والأموات فكأنهم يعتقدون التأثير للأحياء دون الأموات، وهو باطل مطلقاً فإن الله خالق كل شيء .
... س: ما الدليل على جواز التوسل بالأموات ؟
ج: قوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) } . فإن الآية عامة في حياته صلى الله عليه وسلم الدنيوية وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم وانتقاله إلى الحياة البرزخية .
وقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما خرج رجل من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا إليك فإني لم أخرج بطراً ولا أشراً ولا رياءً ولا سمعةً، وإنما خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، إلاّ وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له وأقبل الله بوجهه حتى يقضي صلاته )) اهـ رواه ابن ماجة .

(1/56)


و روى البيهقي وابن السنِّيوالحافظ أبو نعيم أن من دعائه صلى الله عليه وسلم عند خروجه إلى الصلاة :(( اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ... )) الخ (1).
قال العلماء: فهذا توسل صريح لكل عبد مؤمن حيَّاً أو ميتا، وعلَّم صلى الله عليه وسلم أصحابه هذا الدعاء وأمرهم بالإتيان به وما من أحد من السلف والخلف إلاّ كان يدعو بهذا الدعاء عند خروجه للصلاة .
وأيضاً ما أخرجه أبونعيم في ( المعرفة ) والطبراني وابن حبان في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (( لما ماتت فاطمة بنت أسد أمُّ علي بن أبي طالب رضي الله عنهما - وذكر الحديث - وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم اضطجع في قبرها (2) ،
-----------------------------------
(1)- ذكر العلامة محمد بن مرتضى الزبيدي في شرحه للإحياء في تفسير السائلين: هم المتضرعون إلى الله بخالص طوياتهم، و هذا أخص أوصاف الأولياء و الصالحين نفعنا الله بهم .
(2)- ذكر أهل السير: أنها كانت محسنة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ كان في حجر عمِّه أبي طالب؛ فلما ماتت تولى دفنها و اضطجع في قبرها و أشعرها قميصه، و قال :" اضطجعتُ في قبرها لأخفف عنها ضغطة القبر و ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة" ، ففي ذلك دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين؛ فاعلم.

(1/57)


وقال: الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولَقِّنها حجتها و وسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين ... )) الحديث.
فانظر قوله: (( بحق الأنبياء من قبلي ))، فهو صريح في جواز التوسل بالأنبياء بعد وفاتهم فإنَّهم أحياء في برازخهم، وكذا كُمَّل ورثتهم من الصديقين الأولياء .
***
... س: إذا كان التوسل بالأموات جائزاً فلماذا توسل الخليفة عمر ابن الخطاب بالعباس، لا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم ؟
ج: قال العلماء نفع الله بهم: وأما توسل سيدنا عمر بالعباس رضي الله عنه فليس فيه دليل على عدم جواز التوسل بغير الأحياء، وإنما توسل عمر بالعباس دون النبي صلى الله عليه وسلم ليبين للناس أن التوسل بغير النبي جائز لا حرج فيه، وإنما خص العباس من سائر الصحابة لإظهار شرف أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(1/58)


... س: ما الدليل على ذلك ؟
ج: الدليل على ذلك أنه قد ثبت توسل الصحابة به صلى الله عليه وسلم بعد وفاته . من ذلك ما رواه البيهقي وابن أبي شيبة بإسناد صحيح: (( أنَّ الناس قحطوا في خلافة عمر رضي الله عنه فجاء بلال بن الحارث رضي الله عنه إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يارسول الله، استسق لأُمّتك فإنَّهم هلكوا، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وقال: ائت عمر ابن الخطاب وأقرئه السلام وأخبرهم أنهم يُسْقَون، فأتاه وأخبره فبكى عمر رضي الله عنه وسقوا )).
***
... س: وأين محل الاستدلال من الحديث المذكور ؟
ج: ومحل الاستدلال منه، هو فعل بلال وهو صحابي ولم ينكر عليه عمر ذلك ولا غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم . ومن ذلك ما أخرجه الدارمي: (( أن أهل المدينة قحطوا قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة رضي الله عنها، فقالت: انظروا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كوىً إلى السماء حتى لا بينه وبين السماء سقف ففعلوا فَمُطروا مَطَراً شديداً حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفَتَّقَت من الشحم فسمي عام الفَتقَة .

(1/59)


والحاصل: أنَّ التوسل جائز سواء أكان بالأعمال الصالحة أم بالعمَّال الصالحين وسواء أكان بالأحياء أم بالأموات بل التوسل واقع على كل حال حتى قبل خلقه صلى الله عليه وسلم .
***
... س: ما الدليل على أنه واقع قبل خلقه صلى الله عليه وسلم ؟
ج: روى الحاكم و الطبراني و البيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعاً: (( لمَّا اقترف آدم عليه السلام الخطيئة، قال: يا ربِّ أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فقال الله تعالى: فكيف عرفت محمداً ولم أخلقه ؟ فقال: يا ربِّ لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك، رفعتُ رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) فعرفتُ أنَّك لم تضف إلى اسمك إلاّ أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليَّ، وإذ سألتني بحقه قد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك )). فآدم أوَّل من توسل به صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا التوسل أشار الإمام مالك رحمه الله لما سأله الخليفة المنصور وهو بالمسجد النبوي: أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

(1/60)


فقال له: ولٍمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك و وسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى، بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله فيك قال تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ... } إلى آخر الآية . ذكر ذلك القاضي عياض في ( الشفاء ).
***
... س: ما كيفية التوسل ؟
ج: ذكر العلماء رحمهم الله أن التوسل بالذوات الفاضلة كالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والصالحين على ثلاثة أنواع :
1... أنْ يسأل الله تعالى مستشفعاً بهم، كأن يقول المتوسل: اللهم إنِّي أسألك بنبيك محمد أو بحقه عليك أو أتوجه به إليك في كذا.
2... أن يطلب من المُتَوسَّل به أنْ يدعو الله له في حوائجه، كأن يقول: يارسول الله ادع الله تعالى أن يسقينا.
3... أن يطلب نفس الحاجة منه ومراده أن يتسبب في قضائها له من الله بشفاعته ودعائه ربه فهو راجع إلى النوع الثاني.
وهذه الأنواع الثلاثة ثابتة بالنصوص الصحيحة والأدلة الصريحة.
***
... س: ما دليل التوسل بالنوع الأوَّل ؟
ج: فمن الأحاديث الدالة على مشروعية التوسل بالنوع الأوَّل، ما أخرجه الترمذي والحاكم و

(1/61)


البيهقي و الطبراني وصححوه عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه: (( أن رجلاً أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ادع الله أنْ يُعافيني، فقال: إنْ شئت دعوت وإنْ شئت صبرت فهو خير لك، فقال: فادع الله لي فقد شق عليَّ بصري، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو بهذا الدعاء: (( اللهمَّ إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربِّي في حاجتي هذه لتُقضَى لي، اللهمَّ فشفِّعه فيَّ )) ففعل الرجل ذلك ثم رجع وقد أبصر .
فانظر كيف لم يدع النبي صلى الله عليه وسلم للأعمى بنفسه بل علمه كيف يدعو ويتوجه إلى الله بجاهه ويناديه مستشفعاً به، ففي ذلك دليل صريح على استحباب التوسل والاستغاثة بذات النبي صلى الله عليه وسلم وليس هذا خاص بالرجل المذكور بل هو عام له ولغيره في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، فلم يزل اليلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم يستعملون هذا الدعاء لقضاء حوائجهم .
وقد روى الطبراني و البيهقي: أنَّ راوي الحديث وهو عثمان بن حنيف علَّم الدعاء المذكور رجلاً آخر كانت له حاجة إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان ذلك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(1/62)


وفَهْمُ الراوي حُجةٌ في مراد الحديث كما تقرر في علم الأصول .
***
... س: فما دليل التوسل بالنوع الثاني ؟
ج: الأدلة على ذلك كثيرة، منها ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: (( بينما النبيُّ صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ؛ إذ دخل رجل من باب المسجد فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم فنادى: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله بغيثنا ؛ فرفع صلى الله عليه وسلم وقال: اللهمَّ أغثنا (ثلاثاً)، قال أن ... س: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب فمطرنا يومنا هذا والذي يليه إلى الجمعة الأخرى، فجاء ذلك الرجل أو غيره، وقال: يا رسول الله، تهدمت البيوت وتقطعت السبل ؛ فرفع يده صلى الله عليه وسلم وقال: اللهمَّ حوالينا ولا علينا، فإنجاب السحاب وخرجنا نمشي في الشمس )).
وفي هذا الحديث الصحيح دلالة على أنَّه كما يجوز للإنسان أن يرفع مسألته إلى الله بلا توسط أحد، يجوز أيضاً أن يوسط في ذلك من جَعَلهُ الله سبباً لقضاء حوائج عباده من أحبابه تعالى، وأيضاً فإن الإنسان يرى نفسه ملطخاً بالمعاصي أبعدته عن الله تعالى فهو جدير بالحرمان من

(1/63)


تحقيق مطالبه وقضى حاجاته، فلأجل هذا يتقدم إليه تعالى بالمحبوبين عنده مبتهلاً إليه بجاههم وحرماتهم لديه أن يقضي له حاجته لأجل هؤلاء الأحباب الذين لا يعرفون إلا طاعة الله .
***
... س: وما دليل التوسل بالنوع الثالث ؟
ج: الأدلة على ذلك كثيرة، منها ما رواه مسلم عن ربيعة بن مالك الأسلمي رضي الله عنه قال: (( قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: سل ما شئت، فقلت: أسألك مرافقك في الجنة، فقال: أو غير ذلك ؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود )).
وصحَّ أيضاً أن قتادة بن نعمان أصيب بسهم في عينه يوم أحد فسالت على خده فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: عيني يارسول الله، فخيَّره بين الصبر وبين أن يدعو له، فاختار الدعاء فردَّها عليه السلام بيده الشريفة إلى موضعها فعادت كما كانت .

* * *

(1/64)


الاستغاثة
... س: ما معنى الاستغاثة ؟
ج: الاستغاثة هي طلب العبد الإغاثة والمعونة ممن يسعفه ويدفع عنه عند الوقوع في شدة أو نحوها .
... س: فهل يجوز طلب الإغاثة من غير الله ؟
ج: نعم، يجوز طلبها من غيره تعالى باعتبار أنَّ المخلوق - المستغاث به - سبب و واسطة، فإن الإغاثة وإن كانت من الله عز وجل على الحقيقة فلا ينافي أن الله تعالى جعل لذلك أسباباً و وسائط أعدَّها له، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه )) رواه مسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم في حقوق الطريق: (( وأن تغيثوا الملهوف وتهدوا الضال )) رواه أبو داود . فنسب الإغاثة إلى العبد وأضافها إليه وندب العباد أن يعين بعضهم بعضا ، فالمستعين بغير لله لا يطلب منه أن يخلق شيئاً وإنما قصده منه أن يدعو الله له في تخليصه من شدة مثلاً .

(1/65)


... س: ما الدليل على مشروعية الاستغاثة ؟
ج: لذلك أدلة كثيرة، منها ما رواه البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إنَّ الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الإذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم ... )) الحديث، فقد أجمع أهل الموقف كلهم على جواز الاستغاثة بالأنبياء عليهم السلام وذلك بإلهام من الله تعالى لهم وفي ذلك أدلّ دليل على مشروعية الاستغاثة بغير الله . ومنها ما رواه الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا ضل أحدكم - أي عن الطريق - أو أراد عوناً وهو بأرض ليس فيها أنيس، فليقل: ياعباد الله أغيثوني )) وفي رواية: (( أعينوني فإن لله عباداً لا ترونهم )) . فهذا الحديث صريح في جواز الاستغاثة والنداء بالغائبين من الأحياء والأموات، والله أعلم .
وقال السيد الإمام أحمد بن زيني دحلان رحمه الله في كتابه ( خلاصة الكلام ): والحاصل أم مذهب أهل السنة والجماعة جواز التوسل والاستغاثة بالأحياء والأموات، لأننا لا نعتقد تأثيراً ولاَ نفعاً ولاَ ضراً إلاّ لله وحده لاَ شريك له، والأنبياء لا تأثير لهم في شيء وإنما يتبرك بهم ويستغاث بمقامهم لكونهم أحبَّاء الله تعالى،

(1/66)


والذين يُفرقون بين الأحياء والأموات هم الذين يعتقدون التأثير للأحياء دون الأموات ونحن نقول: { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) } ، { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) } .
... س: ما معنى حديث: (( إذا سألتَ فاسألِ اللهَ وإذا استعنتَ فاستعنْ بالله )) ؟
ج: الحديث المذكور يدلُّ على أن قضاء الحاجات والإعانات من الله تعالى على الحقيقة، ولكن قد جرت عادة الله أن يعين عبده بواسطة وبغيرها، فيجوز سؤال غيره والاستعانة به بمعنى طلب المعونة منه على وجه التسبب لمعونة الله تعالى مع الاعتقاد أنَّ المعطي حقيقة هو الله دون غيره، فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث على منع الاستغاثة لا تجوز إلاّ بالله فقد خالفنا الكتاب والسنَّة لأن الشارع قد أضاف الإغاثة إلى غيره وندب العباد أنْ يعين بعضهم بعضاً، فقال تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } ، وغير ذلك من الأحاديث المتقدم ذكرها .

(1/67)


... ... س: ما حكم نداء غير الله ؟
ج: يجوز نداؤه سواء كان حياً أو ميتاً ليتوجه إلى الله في شأنه وذلك باتفاق العلماء والأئمة الأعلام ولم يقل أحد بكراهته فضلاً عن الشرك والحرام .
... ... س: هل يكون النداء عبادة ؟
ج: قال العلماء رحمهم الله: النداء لا يكون عبادة إلاّ إذا اعتقد المنادي أن المدعو مستقل بالنفع والضر أو نافذ المشيئة مع الله لا محالة فهذا شرك لاعتقاده في خصيصة من خصائص الربوبية، وأما إذا لم يعتقد ذلك فليس بعبادة قطعاً، فلو دعا الإنسان رئيسه أن ينصره على باغٍ أو يغيثه من شدة وهو يعتقد أنه لا يستقل بجلب نفع أو دفع ضرّ ولكن الله جعله سبباً في مجرى العادة يقضي على يديه ما شاء، فلا يكون ذلك عبادة له . فلو كان كل نداء عبادة لامتنع نداء الحي والميت لاستوائهما في عدم التأثير بدون تقدير الله، وهذا لا يقوله أحد من المسلمين .
ونقل ابن القيم رحمه الله في (الكلم الطيب) أن الصحابة رضوان الله عليهم كان شعارهم في قتال أهل الردة يوم اليمامة ( وامحمداه ) وكان ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم في خلافة الصديق رضي الله عنه ،

(1/68)


وثبت أن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما قالا :((إذا خدرت رجل أحدكم فليناد: يامحمد)).ذكره ابن القيِّم فى الكلم الطيب. وروي أن عبدالله ابن عمر رضي الله عنهما خدرت رجله فقيل له: اذكر أحب الناس إليك يزيل عنك فصاح: يا محمداه ، ذكره القاضي عياض في (الشفاء) .

* * *

(1/69)


حياة الأنبياء عليهم السلام
... س: هل الأنبياء أحياء في قبورهم ؟
ج: الأنبياء وكذا الشهداء في قبورهم حياة برزخية يطلعون على ما شاء الله في أحوال هذا العالَم، وقد نص القرآن العظيم على حياة الشهداء في برازخهم، قال تعالى: { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) } ولا شك أن حياة الأنبياء عليهم السلام وكُمَّل ورثتهم من الأصفياء أتم وأكمل من حياة الشهداء لكونهم أعلى مرتبة منهم بدليل قوله تعالى: { فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء } الآية.
***
... س: هل ورد في السنة التصريح بحياتهم ؟
ج: نعم، قد جاء بالأحاديث الصحيحة ما يقتضي بقاءهم وأنَّ الأرض ولا تأكل أجسادهم، فروى مسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أتيت ليلة أُسري بي على موسى قائماً على قبره في الكتب الأحمر )).

(1/70)


وأخرج أحمد وأبو داود و الترمذي وغيرهم مرفوعاً: (( إنَّ من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا من الصلاة عليَّ فإن صلاتكم معروضة عليّ، فقالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت - أي بليت - ؟ قال: إنّ الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء )) و وَرد أيضاً أنهم يصلون وتجري لهم أعمال البر كحياتهم، فروى البيهقي وأبو يعلى مرفوعاً: (( الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون )).
قال العلماء: ولا يعارض ذلك ما قد تقرر أنّ الآخرة ليست بدار تكليف ولا عمل، فقد تحصل الأعمال من غير تكليف بل على سبيل التلذذ بها فقط .
كما أنه لا يعارض ما تقدم من حياة الأنبياء قوله صلى الله عليه وسلم: (( ما من أحد يسلم علي إلاّ ردَّ الله عليّ روحي حتى أرُدّ عليه السلام ))، فإنّ معنى الرّد هنا: هو رَدّ معنى الروح من حيثية يشعر الرسول عليه السلام من يسلم عليه من أمته، فعبر بالبعض عن الكل، ففي الحديث حذف المضاف، فيكون المعنى: ردَّ الله معنى الروح أو لوازمه التي منها النطق، والله أعلم .
وعن عائشة رضي الله عنه قالت :(( كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله وأبي، وإني واضع ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلمّا دُفن عمر معهم فوالله ما دخلت إلاّ وأنا مشدودة عليَّ

(1/71)


ثيابي حياءً من عمر )) رواه الإمام أحمد، وهذا يدلّ على أن سيدتنا عائشة رضي الله عنه لا تَشُك أن سيدنا عمر يراها، ولهذا تحفظت بالتستر إذا أرادت الدخول عليه بعد دفنه في بيتها .
***
... س: هل تحصل لنا نفاعة من الأموات في الدنيا أم لا ؟
ج: نعم، الميت ينفع الحي، فقد ثبت أنهم يدعون للأحياء ويشفعون لهم، قال الإمام عبدالله بن علوي الحداد رضي الله عنه ونفعنا به: إنّ الأموات أكثر نفعاً للأحياء منهم لهم، لأنّ الأحياء مشغولون عنهم بهَمِّ الرزق، والأموات قد تجردوا عنه ولا لهم هَمٌّ إلاّ فيما قدموه من الأعمال الصالحة لاَ تعلق لهم إلاّ بذلك كالملائكة .
***
... س: ما الدليل على حصول النفع للأحياء من الأموات ؟
ج: الدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنّ أعمالكم تُعرض على أقاربكم وعشائركم، فإنْ كان خيراً استبشروا وإنْ كان غير ذلك قالوا: اللهم لاَ تُمِتهُم حتّى تهديهم كما هديتنا )).
و روى البزار بإسناد صحيح عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت لكم ))،

(1/72)


قال العلماء: وأيّ منفعة أعظم من استغفاره صلى الله عليه وسلم حين يعرض عليه عمل المسيء من أمته .
وقال بعض المحققين: ومن أعظم دليل على نفاعة الأموات للأحياء ما وقع لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء حين فرض عليه خمسين صلاة فأشار عليه نبي الله موسى عليه السلام بأن يراجع ربه ويسأله التخفيف، كما ورد ذلك في الصحيح . فسيدنا موسى عليه السلام قد مات وقتئذ وسائر الأمة المحمدية إلى يوم القيامة في بركته حيث وقع عنهم التخفيف من خمسين صلاة إلى خمس صلوات بواسطته عليه السلام، و تلك من أعظم المنافع وأجل الفوائد .
واعلم أن ما تقدم لا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث ... )) الخ، فإن المراد انقطع عمله لنفسه، أي عمل التكليف الذي يزاد به الثواب، فهو الذي ينقطع بالموت . وأمّا عمله لغيره كدعائه واستغفاره للأحياء فليس في الحديث ما يدلّ على انقطاعه، بل قد ثبت بقاؤه بعد الموت كما سبق .

* * *

(1/73)


زيارة القبور
... س: ما حكم زيارة القبور ؟
ج: زيارة القبور للرجل سُنَّة مستحبَّة، وكانت زيارتها منهياً عنها في صدر الإسلام ثم نسخت بقوله صلى الله عليه وسلم وفعله ؛ روى مسلم في صحيحة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ))، و زاد في رواية البيهقي (( فإنّها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة ))، و روى مسلم أيضاً عن عائشة رضي الله عنها (( أنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد )).
قال العلماء رحمهم الله: وقد كانت زيارة القبور من عادته صلى الله عليه وسلم وزارها أصحابه في حياته وعلَّمهم صلى الله عليه وسلم كيف يزورونها، وأجمعت الأمة على استحبابها لأجل التذكرة والاعتبار ولم تزل مشروعة في سائر الأقطار والأمصار .
***

(1/74)


... س: ما حكم زيارة القبور للنساء ؟
ج: ذكر أهل العلم أن زيارتها للنساء مكروهة خوفاً من الجزع لكثرة حزنهن وقلة احتمالهن المصائب . ويستثنى قبور الأنبياء والصلحاء والعلماء فتسن لهن زيارتها للتبرك على أن بعضهم رخص لهن زيارة القبور مطلقاً لما ثبت (( أنه صلى الله عليه وسلم رأى امرأة بمقبرة تبكيفقال لها :" اتقِ الله و اصبري " رواه البخاري ومسلم فأمرها بالصبر ولم ينكر عليها . و لما روى مسلم (( أن النبي صلى الله عليه وسلم علَّم عائشة رضي الله عنها الدعاء عند زيارتها القبور، وقال لها: قولي: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إنْ شاء الله بكم لاَحقون )).
***
... س: ما تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: (( لعن الله زَوَّارات القبور ))؟
ج: الحديث المذكور محمول عند العلماء المحققين إذا كانت زيارتهن لتعديد شمائل الميت والبكاء والنياحة مما جرت به عادتهن في الجاهلية فإنّ مثل هذه الزيارة حرام بالاتفاق، أمّا إذا كانت سالمة مما ذكر فليست بحرام ولا تدخل في الوعيد المذكور .
***

(1/75)


... س: ما حكم الرحلة لزيارته صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والأولياء ؟
ج: زيارته صلى الله عليه وسلم من أعظم القربات وكذا الرحلة إليها قربة مستحبة ومثلها في الاستحباب قبور الأنبياء والأولياء والشهداء لأجل التبرك والاعتبار وفيها من الخيرات والبركات والنفحات ما شاء الله تعالى فكان في الرحلة إليها فائدة أي فائدة، فينبغي الاهتمام بها مع الالتزام بآدابها، ولا تترك زيارتهم لحصول شيء من البدع بل على الإنسان فعلها وإنكار البدع وإزالتها .
***
... س: ما دليل استحباب الرحلة للزيارة ؟
ج: يدل لذلك قوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) } . وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم حيٌّ في قبره، فكان المجيء بعد وفاته كالمجيء في حياته ومن أدلة ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (( من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي )) رواه البيهقي و الدارقطني و الطبراني، وقال عليه الصلاة والسلام: (( من حج ولم يزرني فقد جفاني )) رواه الدارقطني .
***

(1/76)


... س: فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( لاتُشَدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... )) الحديث .
ج: قال العلماء: وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد )) فليس المراد منع شد الرحال مطلقاً إلاّ إلى هذه المساجد إذْ يلزم من ذلك أنْ لاَ تشد الرحال إلى عرفات ومنى ولزيارة الوالدين وطلب العلم والجهاد والتجارة ولا يقول بهذا أحد، بل معنى الحديث: لا يستحق شد الرحال إلى شيء من المساجد لفضيلته إذ المساجد كلها متساوية في الفضل إلا إلى المساجد الثلاثة التي تضاعف فيها الصلاة، فالجملة إخبارية لا إنشائية .

* * *

(1/77)


الأموات يشعرون و يسمعون
... س: هل الأموات يشعرون ويسمعون وماذا يفعل ويقال عندهم ؟
ج: نعم، ومن أجل ذلك شرع النبي صلى الله عليه وسلم زيارة الأموات والتسليم عليهم بصيغة الخطاب، وكان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يزور أهل البقيع بقوله: (( السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنّا إنْ شاء الله بكم لاحقون أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع )) وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يسلم على قوم لا يسمعون ولا يعقلون .
***
... س: ما الدليل على ذلك ؟
ج: روى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ما من رجل يزور قبر أخيه فيجلس عنده إلاّ استأنس به وردت عليه روحه حتى يقوم من عنده )). وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما من رجل يمر بقبر أخيه كان يعرفه بالدنيا فسلم عليه إلاّ رُدّت عليه روحه حتى يرد عليه السلام )).

(1/78)


وذكر العلامة ابن القيم في (زاد المعاد) في الكلام على خصائص يوم الجمعة: أن الموتى تدنو أرواحهم في قبورهم وتوافيها في يوم الجمعة زوارهم ومن يمر بهم ويسلم عليهم ويلقاهم في ذلك اليوم أكثر من معرفتهم في غيره من الأيام . اهـ
***
... س: ما معنى قوله تعالى: { وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ } ؟
ج: قال ابن القيم في كتاب ( الروح ): إنّ سياق الآية يدل على أن المراد أن الكافر الميت القلب لا تقدر على إسماعه سماعاً ينتفع به كما أن من في القبور لا تقدر على إسماعهم سماعاً ينتفعون به، ولم يُرِد سبحانه أن أصحاب القبور لا يسمعون شيئاً البته، كيف وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يسمعون خفق نعال المشيعين، وأخبر أن قتلى بدر يسمعون كلامه وخطابه، وشرع السلام عليهم - أي الأموات - بصيغة الخطاب الذي يسمع، وأخبر أن مَنْ سلَّم على أخيه المؤمن رد عليه السلام، وإنما هذه الآية نظير قوله تعالى: { فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ } . اهـ ملخصاً .

* * *

(1/79)


قراءة القرآن للأموات
... س: هل يجوز إهداء ثواب قراءة القرآن والذكر إلى الأموات ؟
ج: نعم، يجوز ذلك، فإن المذهب الصحيح المختار وصول ثواب القراءة وغيرها من الأعمال البدنية إليهم يحصل لهم بذلك إما تكفير سيئات ورفع درجات ونور وسرور وغير ذلك من الثواب بفضل الله تعالى .
... س: ما الدليل على ذلك ؟
ج: دلَّ على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :(( اقرءوا يس على موتاكم )) رواه أبو داود وابن ماجة . و روى الإمام أحمد ولفظه: (( يس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله تعالى والدار الآخرة إلاّ غفر الله له، واقرءوها على موتاكم )) .
وذكر المحققون من العلماء أن هذا الحديث عام فيشمل القراءة على المحتضر الذي سيموت وعلى القراءة على الميت وهو الظاهر من الديث، ففيه دليل على وصول القراءة إلى الموتى وحصول الانتفاع بها كما اتفق العلماء وإنما الخلاف إذا لم يدع القارئ بعدها بنحو: اللهمَّ اجعل ثواب ما قرأناه إلى فلان مثلاً، فإن دعا بذلك - كما هو عمل المسلمين في قراءتهم لأمواتهم -

(1/80)


فلا خلاف لأهل العلم في وصولها لأنه من قبيل الدعاء المتفق على وصوله، قال الله تعالى: { وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ... } الآية .
وإذا لَمْ يدعُ بذلك فالمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يَصِل واعتمد علماء الشافعية المتأخرون وصول ثواب القراءة والذكر إلى الميت كمذهب الأئمة الثلاثة و عليه عمل النا ... س: (( وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن )) .
قال سيدنا الإمام قطب الإرشاد الحبيب عبدالله بن علوي الحداد نفع الله به: ومن أعظم ما يُهدى إلى الموتى بركة وأكثره نفعا قراءة القرآن وإهداء ثوابه إليهم، وقد أطبق العمل بذلك المسلمون في الأعصار والأمصار وقال به الجماهير من العلماء والصالحين سلفاً وخلفاً ... الخ ما قال رضي الله عنه في كتابه ( سبيل الادِّكَار ) .
وأخرج الطبراني والبيهقي في ( شعب الإيمان ) عن ابن عمر مرفوعاً: (( إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره وليقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وعند رجليه بخاتمة البقرة )) ذكره الإمام السيوطي في ( جمع الجوامع ).

(1/81)


وذكر ابن القيم في كتابه ( الروح ): ما يقتضي سَنَّ الدرس على القبر، واستدل لذلك بأن جماعة من السلف أوصوا أن يقرأ عند قبورهم، منهم ابن عمر أوصى أن يقرأ عند قبره سورة البقرة، وأن الأنصار كانت إذا مات الميت اختلفوا إلى قبره يقرؤون القرآن عنده . انتهى .
وذكر العلماء أنه يجوز للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة كانت أو قِراءة أو غيرهما، ويدل على ذلك ما أخرجه الدارقطني من حديث جاء: (( أن رجلاً قال: قال يارسول الله كان لي أبوان أبرهما في حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنَّ من البر أن تصلي لهما مع صلاتك وتصوم لهما مع صيامك )).
وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ما على أحدكم إذا أراد أن يتصدق بصدقة تطوعاً أن يجعلها لوالديه إذا كانا مسلمين فيكون لوالديه أجرها وله مثل أجورهما من غير أن ينقص من أجورهما شيئاً )) ذكره الشيخ محمد بن محمدالمنيحي الحنبلي في كتابه ( تسلية أهل المصائب ) .
وقد أخرج أبو القاسم الزنجاني في ( فوائده ) عن أبي هريرة مرفوعاً: (( من دخل المقابر ثم قرأ فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد وألهاكم التكاثر،

(1/82)


ثم قال: اللهمَّ إني قد جعلت ثواب ما قرأت من كلامك لأهل المقابر من المؤمنين والمؤمنات ؛ إلاّ كانوا شفعاء له إلى الله تعالى )) ذكره الحافظ السيوطي في ( شرح الصدور ) .
***
... س: ما معنى قوله تعالى: { وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } ؟ وقوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله ... )) ؟
ج: قال ابن القيم في كتاب ( الروح ): إنَّ القرآن لم ينفِ انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما أخبر أنه لا يملك إلاّ سعيه، وأمّا سعي غيره فهو ملك ساعيه فإنْ شاء أن يبذله لغيره وإنْ شاء أن يبقيه لنفسه، وهو سبحانه لم يقل أنه لا ينتفع إلا بما سعى .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( انقطع عمله )) ولم يقل ( انتفاعه ) وإنما أخبر عن انقطاع عمله، وأما عمل غيره فهو لعامله فإنْ وهبه له فقد وصل إليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله هو، فالمنقطع شيء والواصل شيء آخر . اهـ ملخصاً

(1/83)


وذكر أهل التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله تعالى: { وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء . وقال عكرمة :إن ذلك لقوم موسى عليه السلام، وأمّا هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم، لما روي (( أن امرأة رفعت صبياً لها وقالت: يا رسول الله: ألهذا حج ؟ قال: نعم ولك أجر )). وقال آخر للنبي صلى الله عليه وسلم: (( إن أُمي افتلتت نفسها فهل لها أجر إنْ تصدقت عنها ؟ قال: نعم )). اهـ والله أعلم .

* * *

(1/84)


حكم التمسح بالقبور وتقبيلها
... س: ما حكم التمسح بالقبور وتقبيلها ؟
ج: الحكم في ذلك عند أكثر العلماء مكروه فقط، وقال بعضهم: إنه مباح وجائز للتبرك ولم يقل أحد بتحريمهما .
... س: ما الدليل على جواز ذلك ؟
ج: لأنه لم يرد فيه نهي من الشارع ولا قام الدليل على المنع، وقد رُوي (( أن بلالاً رضي الله عنه لما زار المصطفى صلى الله عليه وسلم جعل يبكي ويمرغ خديه على القبر الشريف ))، أن ابن عمر رضي الله عنهما (( كان يضع يده اليمنى عليه )) ذكر ذلك الخطيب ابن جملة.
و روى الإمام أحمد بسند حسن عن المُطِّلب بن عبدالله بن حنطب، قال: أقبل مروان ابن الحاكم فإذا رجل ملتزم القبر فأخذ برقبته، ثم قال: هل تدري ما تصنع ؟ فأقبل عليه الرجل وقال: نعم، إني لم آت الحَجَر واللَّبِن وإنّما جئتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال المطَّلب: ذلك الرجل هو أبو أيوب الأنصاري.

(1/85)


وثبت عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنّه سُئِلَ عن تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، فقال: لا بأس بذلك . ذكره السمهودي في ( خلاصة الوفا ) .
فَعُلِم أنه لم يقل أحد من أئمة المسلمين بتحريم تقبيل القبور والتمسح بها فضلاً عن الشرك والكفر . وإنما اختلفوا في كراهة ذلك ومن زعم خلاف قولهم وحَكَم على من يفعل ذلك من عوام المسلمين بالشرك فعليه الدليل على دعواه .

* * *

(1/86)


تجصيص القبور والبناء عليها
... س: ما حكم القبور والبناء عليها ؟
ج: أما تجصيص القبور فهو مكروه عند أكثر العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يكره ذلك ولم يرد في الشرع ما يدل على التحريم، وأما حديث النهي أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يقعد عليه فقد اتفق جمهور العلماء على أن النهي للتنزية لا للتحريم . فيكره ذلك كراهة تنزيه .
... س: هل ما يفعله الناس في كثير من البلدان من تجصيص القبور لمجرد العبث ؟
ج: لم يفعلوا ذلك لمجرد العبث بل لأغراض حسنة ومصالح، منها: أن يعرف كونها قبوراً فتحيا بالزيارة وتحترم من الإهانة، ومنها أن يمتنع الناس من نبشها قبل البلاء فإن ذلك محرم في الشريعة، ومنها أن يجمع إليها الأقارب كما هو السنة، فقد ثبت (( أنّه صلى الله عليه وسلم وضع على قبر عثمان بن مظعون صخرة وقال: أُعْلمُ على قبر أخي لأَدفِن إليه من مات من أقاربي )) رواه أبو داود و البيهقي .

(1/87)


وأمّا البناء على القبور فقد ذكر العلماء في ذلك تفصيلاً: إنْ كان في أرضٍ مملوكةٍ لنفسه أو لغيره بإذنه فهو مكروه ولا يحرم سواء كان البناء قبة أو غيرها، وإنْ كان في مقبرةٍ موقوفةٍ أو مُسبّلة فهو حرام، وعِلْة التحريم: التحرز عن الدفن والتضييق للمقبرة لا غير، نعم استثنى بعضهم قبور الصالحين وأئمة المسلمين فيجوز البناء عليها ولو في مُسبّلة لما في ذلك من إحياء الزيارة المأمور بها في الشرع وللتبرك بها وينتفع الحي والميت بالقراءة عندها، واستدلوا على ذلك بعمل المسلمين سلفاً وخلفاً وذلك حجة عند العلماء.
***
... س: ما معنى حديث: (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) ؟
ج: ذكر العلماء أن معنى هذا الحديث: السجود لها والصلاة إليها على قصد التعظيم كما يفعله اليهود والنصارى، فإنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم ويجعلونها قبلة لهم يتوجهون في صلاتهم إليها تعظيماً لها فإن هذا حرام قطعاً، فالنهي إنما هو من التشبه بهم في ذلك بأن يفعل كفعلهم من السجود للقبور والصلاة إليها على قصد التعظيم، وهذا لا يصح من مسلم قط ولا يوجد ذلك في الإسلام فإن المسلمين المصلين لم يعبدوا غير الله تعالى في العالم، ولم يتخذوا القبور مساجد

(1/88)


كالمعابد، ولم يعظموا أحداً كتعظيم الله تعالى، فقد صح الخبر عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إنّ الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون ولكن في التحريش بينهم )) رواه مسلمو الترمذي والإمام أحمد .
فهذه بشارة من الشارع عليه السلام بأن الله حفظ المصلين من عبادة غير الله، فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم وهو الذي لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلاّ وحي يُوحى .
وأمّا من اتخذ مسجداً بجوار صالح بقصد التبرك دون التعظيم وافق في صلاته أن أمامه قبر ولم يقصد التوجه إليه فلا يدخل في الوعيد المذكور في الحديث، وقد قال الله تعالى في قصة أهل الكهف: { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً } ذكر أهل التفسير: إنّ الذين غلبوا على أمرهم هم المؤمنون، وأخبر الله أنهم اتخذوا على أهل الكهف مسجداً، ففي ذلك دليل على اتّخاذ المساجد على قبور الصالحين . وقد أجمع المسلمون على توسيع المسجد النبوي حتى صار قبره صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه وسط المسجد، فأصبح المسجد محيطاً بهم والمصلّون يتوجهون إليها في صلاتهم بمرأى من العلماء والفقهاء، ولم يُسمع أحد منهم نهى عن ذلك ولا أفتى بتحريمه، فاعلم .

* * *

(1/89)


تلقين الميت
... س: ما حكم تلقين الميت ؟
ج: لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية تلقين المحتضر قول لا إله إلا الله للحديث الصحيح: (( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ))، وأمّا تلقين الميت بعد الدفن فقد استحبه علماء الشافعية وأكثر الحنابلة وبعض الحنفية والمالكية، لما رواه الطبراني في الكبير وابن مِندة عن أبي أُمامة رضي الله عنه مرفوعاً: (( إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس القبر ثم ليقل: يافلان ابن فلانة، فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل: يافلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول: يافلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا من الشهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّكَ رضيت بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ نبياً وبالقرآن إماماً، فإنّ مُنْكَراً ونَكيراً يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما نقعد عند من لُقِّن حُجَّتَه فيكون الله حجيجه دونهما، فقال رجل: يا رسول الله: فإنْ لم تُعرَف أُمّه، قال: ينسب إلى حواء )).

(1/90)


والحديث المذكور وإن كان ضعيفاً فإنه يجوز العمل به في مثل هذا لأنه من باب الفضائل والتذكير للمؤمن . ويستأنس أيضاً بقوله تعالى: { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } ، وأحوج ما يكون العبد إلى التذكير في هذه الحالة .
وذكر ابن تيمية في فتاويه: أن التلقين المذكور قد ثبت عن طائفة من الصحابة أنهم أمَرَوا به منهم أبو أمامة رضي الله عنه، ثم قال: وقد ثبت أن المقبور يسأل ويمتحن، ويؤمر بالدعاء له .
فلهذا قيل: إنّ التلقين ينفعه فإن الميت يسمع النداء كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إنّه ليسمع قرع نعالكم ))، وقال: (( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم .. )) . اهـ مع حذف

* * *

(1/91)


الذبح بأبواب الأولياء وتقديم النذور لهم
... س: ما حكم الذبح بأبواب الأولياء ؟
ج: ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن في ذلك تفصيلاً وهو: أنه إنْ فعل الإنسان ذلك باسم الولي أو لكي يتقرب به إليه فهو كمن ذبح لغير الله، فالمذبوح ميتة والفاعل آثم ولا يُكفَّر إلاّ إنْ قصد به التعظيم والعبادة كما لو سجد له لذلك، وأمّا إن قصد الذبح لله تعالى وتصدق باللحم على الفقراء والمساكين ناوياً بثواب تلك الصدقة إلى روح الولي فهذا جائز بل مندوب إليه باتفاق الأئمة لأنه من باب الصدقة عن الميت والإحسان إليه الذي ندبنا إليه الشارع وحثَّنا عليه، فافهم ذلك .
***
... س: ما حكم تقديم النذور إلى الأولياء ؟
ج: ذكر العلماء نفع الله بهم أن النذر لمشاهد الأولياء والعلماء جائز صحيح إنْ قصد الناذر أهل ذلك المحل من أولادهم أو الفقراء الذين عند قبورهم أو قصد صرفه في عمارة ضرائحهم لما في ذلك من إحياء الزيارة المشروعة، وكذا يصح إنْ أطلق الناذر ولم يقصد شيئاً من ذلك ويصرف فيما تقدم من المصالح،

(1/92)


بخلاف ما لو قصد تعظيم القبر والتقرب إلى صاحبة أو قصد النذر لنفس الميت فإنه لا ينعقد لأنه حرام ومن المعلوم أن ذلك لا يقصده أحد الناذرين .
***
... س: ما الذي يقصده المسلمون بذبائحهم للميتين ؟
ج: اعلم أن المسلمين لا يقصدون بذلك إلا الصدقة عنهم وجعل ثوابها إلى أرواحهم، فكل مسلم ذبح للنبي أو الولي أو نذر الشيء له فإنه لا يقصد إلا أن يتصدق بذلك عنه ويجعل ثوابها إليه فيكون من هدايا الأحياء للأموات المأمور بها شرعاً وقد أجمع أهل السنة وعلماء الأمة أن صدقة الأحياء نافعة للأموات و واصلة إليهم
... س: ما الدليل على وصول ثواب الصدقات إلى الأموات ؟
ج: دلت على ذلك أحاديث صحيحه منها ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه (( أنّ رجلاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنّ أبي مات ولم يوص أفينفع أن أتصدق عنه ؟ قال: نعم )).
وعن سعد رضي الله عنه: (( أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا نبي الله إنّ أمي قد افتلتت وأعلم أنها لو عاشت لتصدقت أفإن تصدقت عنها ينفعها ذلك ؟ قال: نعم، فسأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أي الصدقة أنفع يا رسول الله ؟ قال: الماء، فحفر بئراً و قال: هذه لأم سعد )).

(1/93)


وثبت في الصحيح (( أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ضحّى بكبشين ولما ذبح الثاني قال: اللهم هذا عن من لم يضح من أمتي )) وفي ذلك دليل على أن النفع قد نال الأحياء والأموات من أمته بأضحيته صلى الله عليه وسلم وإلاّ لم تكن في ذلك فائدة .

* * *

(1/94)


حكم الحلف بغير الله تعالى
... س: ما حكم الحلف بغير الله تعالى ؟
ج: اختلف أهل العلم في الحلف بمن له حرمة كنبي وولي ونحوهما، فقال بعضهم: إنّه مكروه، وقال بعضهم: إنّه حرام . والمشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل جواز اليمين برسول الله صلى الله عليه وسلم ولزوم الحنث بمخالفته لأنّ ذلك أحد ركني الشهادة ولأن الله تعالى أقسم بحياته عليه السلام في قوله سبحانه: { لَعَمْرُكَ ... } الخ الآية . ونقل ذلك ابن تيمية في ( فتاويه ) .
ولم يقل أحد من العلماء أن الحلف بغير الله تعالى كفر إلاّ إنْ قصد الحالف تعظيم المحلوف به كتعظيم الله، ولا يتعاطى ذلك أحد من أهل الإسلام . قالوا: وعلى ذلك حُمِلَ ما ورد في الخبر: (( من حلف بغير الله فقد أشرك )).
***
... س: ما كان قصد بعض الناس من الحلف بالقبور أو بأصحابها ؟
ج: فاعلم أنهم لا يقصدون بذلك حقيقة الحلف الذي هو اليمين وإنما ذلك من باب التوسل والتشفع إلى الله بمن له منزلة عنده والكرامة لديه في حياتهم وبعد وفاتهم،

(1/95)


لأن الله قد جعلهم أسباباً لقضاة حوائج عباده بشفاعتهم ودعائهم، كأن يقول أحدهم: أقسمت عليك أو أقسم عليك بفلان أو بصاحب هذا القبر، ونحو ذلك من الألفاظ التي لا تؤدي إلى الحرام فضلاً عن الكفر والشرك . وقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي الذي سأله عن الإسلام: (( أفلح وأبيه إن صدق ))، فاعلم ذلك واحذر من الوقوع في المهالك، و نسأل الله أن يعصمنا وجميع المسلمين من الشرك ويغفر لنا ولهم ما دون ذلك .

* * *

(1/96)


كرامات الأولياء
... س: هل لأولياء الله كرامات في الحياة وبعد الممات ؟
ج: نعم، يجب أنْ نعتقد أنّ كرامات الأولياء حقٌّ: أي و واقعة في حياتهم وبعد وفاتهم، ولا ينكر ذلك إلاّ من عميت بصيرته وفسدت سريرته.
***
... س: ما الدليل على وقوعها ؟
ج: الدليل على وقوعها أمران، أحدهما: ما حكاه الله في كتابه العزيز كقصة مريم، قال الله تعالى: { كُُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } قال أهل التفسير: كان يوجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء وكان يجيئها ذلك من طريق غير مألوف، وذلك هو الكرامة أكرمها الله تعالى بها، وقال الله تعالى في حقها أيضاً: { وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً } .

(1/97)


ومن ذلك: قصة أهل الكهف فقد ذكرها الله تعالى في كتابه أنهم ناموا ثلاثمائة عام وتسعة أعوام دون أن يتناولوا فيها طعاماً ولا شراباً، وأنه تعالى تولى تقليبهم ذات اليمين وذات الشمال بدون أيّ سبب لئلا تتألم جنوبهم، وأنه تعالى جعل الشمس إذا طلعت وإذا غربت لا تصيب المكان الذي هم فيه حفظاً لهم من حرارة الشمس أن تؤذيهم . ومما ذكر الله في القرآن أيضاً كرامة الخضر وكرامة ذي القرنين وكرامة آصف بن برخيا عنده عِلمٌ من الكتاب .
... س: ما هو الأمر الثاني من الدليل على ثبوت الكرامات ؟
ج: الأمر الثاني: ما تواتر معناه من كرامات الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وقتنا مما ملأ الآفاق وسارت به الرفاق . فقد روى البخاري في صحيحه: (( أن سيدنا خبيباً كان يأكل الفاكهة في غير أوانها وهو أسير بمكة موثق بالحديد، ولم يكن بمكة يومئذ ثمرة وما هو إلاّ رزق رزقه الله إيّاه فهي كرامة له )) . و روى البخاري أيضاً (( أن سيدنا عاصماً لما قُتِلَ أراد المشركون أن يأخذوا قطعة من جسده فبعث الله عليه مثل الظُلّة من الدَّبر وهي جماعة النحل أو الزنابير فحتمه منهم فلم يقدروا منه على شيء )). وهذه كرامة لعاصم رضي الله عنه بعد موته.

(1/98)


وعن أنس رضي الله عنه قال: (( كان أُسيد بن حضير وعبّاد بن بشر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة ظلماء فتحدثا عنده حتى إذا خرجا أضاءت لهما عصا أحدهما فمشيا في ضوءها فلما تفرق بهما الطريق أضاءت لكل واحدٍ منهما عصاه فمشى في ضوءها )) أخرجه البخاري . ومن كرامات سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، ما ذكَره أهل السِيَر في ترجمته: (( أنه بعث جيشاً إلى نهاوند وكان على العسكر سارية بن زنيم، فحاصرهم العَدوّ من كل جانب، فكشف الله عز وجل لعمر رضي الله عنه وهو على منبره في المدينة يخطب يوم الجمعة، فرأى سارية وأصحابه قد أحيط بهم فنادى: ( ياسارية الجبَل ) فأسمع الله سارية وأصحابه صوت عمر، فلجأوا إلى الجبل ثم قاتلوا فنصرهم الله )).
وكرامات الأولياء كثيرة لا تدخل تحت الحصر وكلها معجزات للرسول صلى الله عليه وسلم فمنهم من دخل النار فلم تؤثر فيه ومنهم من وقع على يده إحياء الموتى ومنهم أهل الخطوة ومنهم من يمشي في الهواء والماء ومنهم من أطاعته الجن إلى غير ذلك، مما تواتر قطعياً لا شك فيه ولا مراء.

* * *

(1/99)


إمكان رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة
... س: هل يمكن رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة ؟
ج: رؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة ممكنة و واقعة، فقد ذكر العلماء نفع الله بهم كثيراً من العارفين بالله رأوه في المنام ثم رأوه في اليقظة وسألوه عن أشياء من مصالحهم ومآربهم .
... س: ما الدليل على إمكان ذلك ؟
ج: الدليل على ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي ))، قال العلماء: معنى هذا الحديث التبشير بأن من فاز من أمته برؤيته في المنام لابد إن شاء الله تعالى أن يراه في اليقظة ولو قبيل الموت بهُنَيْهَة، ولا يصح أن يفسر هذا الحديث على رؤيته صلى الله عليه وسلم في الآخرة أو البرزخ لأن سائر الأمم تراه يومئذ، ففي هذا الحديث أدل دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ملأ الأكوان لأنه شامل لكل من رآه في المشرقين والمغربين .

(1/100)


قال الإمام السيوطي رحمه الله: قد تَحصَّل من مجموع الأحاديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حيٌّ بجسده و روحه وأنه يتصرف حيث شاء في أقطار الأرض والملكوت وهو بهيئتهِ التي كان عليها قبل وفاته، وأنه يغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة، فإذا أراد الله رفع الحجاب عمن أراد كرامته برؤيته رآه على هيئته.

* * *

(1/101)


حياة سيدنا الخضر عليه السلام
... س: هل سيدنا الخضر عليه السلام حي أم لا ؟
ج: أجمع جمهور الأعلام على حياة الخضر عليه السلام واشتهر ذلك عند الخاص والعام، قال ابن عطاء الله في ( لطائفه ): قد تواتر عن أولياء كل عصر لقاؤه والأخذ عنه، واشتهر ذلك إلى أن بلغ حد التواتر الذي لا يمكن جحده .
وذكر ابن القيم في كتابه ( مثير الغرام الساكن ) أربع روايات صحيحة في حياته، و روى البيهقي في كتاب ( دلائل النبوة ): (( أنه لما توفي صلى الله عليه وسلم سمعوا صوتاً من ناحية البيت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } إنّ في الله عزاء من كل مصيبة وخلفاً من كل هالك ودركاً من كل فائت، فبالله فثقوا وإيّاه فارجوا فإنما المصاب من حرم الثواب، فقال علي كرم الله وجهه: أتدرون من هذا ؟ هو الخضر عليه السلام )).

* * *

(1/102)


الاستشفاء بالقرآن والأسماء الإلهية
... س: ما حكم الرقي للأمراض ؟
ج: أجمع العلماء على جواز الرقي عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، و أن يكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرّقيا لا تأثير لها بذاتها بل بتقدير الله تعالى.
... س: ما الدليل على جواز الرقي بما ذكر ؟
ج: الدليل على جواز ما رواه مسلم من حديث عوف بن مالك قال: (( كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يارسول الله، كيف ترى في ذلك ؟ فقال: اعرضوا على رقاكم، لا بأس بالرقي إذا لم يكن فيه شرك )) .
***
... س: ما هو الرقي المنهي عنه ؟
ج: المنهي عنه من الرقي ما كان غير مفهوم المعنى أو بغير لسان العرب لجواز أن يكون فيه سحرٌ أو شرك، وأما ما كان من كلام الله وذكره وأسمائه فهو جائز بل مستحب فإن الله لم ينزل من السماء شفاء قط أنفع من القرآن فهو للداء شفاء ولصدأ القلوب جلاء،

(1/103)


قال تعالى: { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } ، وقال صلى الله عليه وسلم: (( من لم يتشفَّ بالقرآن فلا شفاه الله )).
***
... س: ما حكم كتابة التمائم وتعليقها ؟
ج: يجوز كتابة التمائم والعزائم وتعليقها على الآدميين والدواب إذا لم يكن فيها شيء من الأسماء التي لا يعرف معناها، فقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الفزع: (( أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون ))؛ فكان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يُعَلّمُهُن مَنْ عَقَل من بنيه، ومن لم يعقل كتبه وعلقه عليه.
وعن ابن حبان قال: سألت جعفر بن محمد بن علي رضي الله عنهم عن تعليق التعويذ ؟ فقال: ( إنْ كان من كتاب الله أو كلام نبي الله فعلقه واستشفِ به ) ذكر ذلك ابن القيم في ( زاد المعاد ), وذكر أيضاً فيه: أن الإمام أحمد سُئل عن التمائم تُعَلَّق بعد نزول البلاء ؟ فقال: أرجوا أن لا يكون به بأس، وقال ابنه عبدالله: رأيت أبي يكتب التعويذ للذي يفزع وللحمى، ونقل عن جماعة من السلف أنه كان يكتب لمن أصابته العين الآيات من القرآن ثم يشربها . وقال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض .

(1/104)


ويذكر عن ابن عباس أنه أمر أن يكتب لامرأة يعسر عليها ولادها أثر من القرآن ثم يغسل ويسقى، قال أيوب: رأيت أبا قلابة كتب كتاباً من القرآن ثم غسله بماء وسقاه رجلاً كان به وجع . وقال ابن تيمية في فتاويه: نقلوا عن ابن عباس أنه كان يكتب آيات من القرآن والذكر ويأمر بأن تسقى لمن به داء، وهذا يقتضي أن لذلك بركة، ونص الإمام أحمد على جوازه . اهـ
***
... س: ما المراد بالتميمة في حديث (( من علق تميمة فقد أشرك )) ؟
ج: اتفق العلماء على أن المراد بالتميمة هنا: هي خرزة أو قلادة تُعَلَّق على الإنسان، كان أهل الجاهلية يعتقدون أنها تدفع آفات . وإنّما كان ذلك شركاً لإرادتهم به دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله تعالى، وأما ما كان بأسماء الله وكلامه على سبيل التبرك والاستشفاء مع اعتقاد أن الله تعالى هو الشافي وإنما يحصل الشفاء بإرادته ومشيئته فلا يدخل في الحديث المذكور.

* * *

(1/105)


في المَولِد
... س: ما حكم عمل المولد والاجتماع له ؟
ج: عمل المولد الذي هو ذكر الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات والمعجزات واجتماع الناس على ذلك من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدره صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف، وإطعام الطعام ونحوه من وجوه القربات والمسرات .
***
... س: هل لعمل المولد أصل من السنة النبوية ؟
ج: نعم، وقد استخرج له إمام الحفاظ أحمد بن حجر العسقلاني أصلاً ثابتاً من السنة وهو ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم (( قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق الله فوعون ونجى موسى فنحن نصومه شكراً لله تعالى ))، قال: فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ الله به من إسداء نعمة أو دفع نقمة في يوم مُعَيَّن، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم .اهـ ملخصاً، نقله الإمام السيوطي في فتاويه .

(1/106)


فعُلِمَ مما تقدم أن الإجتماع لقصة مولده صلى الله عليه وسلم من أعظم القربات لما في ذلك من إظهار الشكر لله بظهور صاحب المعجزات ولما يشتمل عليه من إطعام الطعام والصِّلات وكثرة الصَّلاة عليه والتسليمات، وغير ذلك من وجود القربات، وإنما الأعمال بالنيات (1).
قال الحافظ شمس الدين الجزري: وقد رُؤي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له: ما حالك ؟ فقال: في النار إلاّ أنه يُخفَّف عني كل ليلة اثنين وأمصّ من بين إصبعي ماء بقدر هذا وأشاء لرأس إصبعه، وأن ذلك بإعتاقي لثويبة بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له .
-----------------------------------
(1) وقد اتفق علماء المسلمين في كل زمان و مكان على أن البدعة سواء كانت حسنة او سيئة : هي الأمر الذي لم يكن له أصل في الكتاب أو السنة بخلاف مولده الشريف و تعظيمه و إظهار شعاره لا سيما في شهر ربيع الأول فإنه مبني على أصل صحيح و نص صريح من الكتاب و السنة ، و قد نصَّ الكتاب العزيز على قصة مولده صلى الله عليه وسلم و تعظيم شأنها في سورة الصف حكاية عن سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام بقوله:( َإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) .

(1/107)


فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جُوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم، فما حال المسلم الموحد من أمة النبي صلى الله عليه وسلم يُسَرُّ بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم ؛ لعَمْري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم . اهـ . ذكره الإمام النبهاني في ( الأنوار المحمدية ). وفي ذلك قال بعض العلماء :
إذا كان هذا كافرٌ جاء ذمُّه ... وتَبَّتْ يداه في الجحيم مُخَلَّدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائماً ... يُخَفَّف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عُمْرهُ ... بأحمدَ مسروراً ومات موحِّدا

* * *

(1/108)


في الذِّكر والحَضَرات
... س: ما حكم الاجتماع على الذكر والحضرات التي يفعلها كثير من الناس ؟
ج: الاجتماع على ذلك سنة مطلوبة وقربة مندوبة إذا لم يحتو على شيء من المحرمات كاختلاط الرجال بالنساء الأجنبيات .
... س: ما الدليل على استحباب ذلك مع رفع الصوت ؟
ج: قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في فضل الاجتماع على الذكر ورفع الصوت به، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلاّ حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده )) رواه مسلم .
وأخرج مسلم و الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم (( خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما يجلسكم ؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده، فقال: إنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة ))، وأخرج الطبراني مرفوعاً: (( ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلاّ

(1/109)


وجهه تعالى إلاَّ ناداهم منادٍ من السماء أنْ قوموا مغفوراً لكم قد بُدِّلت سيئاتكم حسنات )).
وفي الأحاديث المذكورة أوضح دليل على فضل الاجتماع على الذكر والخبر والجلوس لذلك وأنَّ الله يباهي بهم الملائكة .
ويدل على استحباب رفع الصوت ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ))، والذكر في ملأ لا يكون إلاَّ عن جَهر . وروى البيهقيمرفوعاً: (( أكثروا ذكر الله حتى يقول المنافقون إنكم مراءون )) وفي رواية: (( حتى يقولوا مجنون ))، ومن المعلوم أنَّ ذلك إنَّما يُقال عند الجهر دون الإسرار، والله أعلم .
قال العلماء العارفون نفعنا الله بهم: قد وردت أحاديث تقتضي استحباب الجهر بالذكر وأحاديث تقتضي الإسرار به والجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص فليكن الذاكر مع ما يراه منهما أصلح لقَلْبِه وأجمع لِهَمِّه، وذكروا أيضا أن الإسرار بالذكر أفضل لمن يخشى الرياء أو يخشى التشويش بجهره على مصلٍّ ونحوه، فإن أَمِنَ من ذلك كان الجهر أفضل لأن العمل فيه أكثر ويتعدى نفعه إلى الغير وهو أقوى في تأثُّر القلب وجَمْعيَّتِه ولكل امرئ ما نوى والمطَّلِع على السرائر هو الله سبحانه وتعالى .
***

(1/110)


... س: ما حكم عقد التسبيح والذِّكر بالسبحة ؟
ج: قال الإمام السيوطي رحمه الله في ( فتاويه ): لم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخَلَف المنع من جواز عقد الذِّكر بالسبحة بل كان أكثرهم يَعُدُّونه بها ولا يرون ذلك مكروها . اهـ
وقد ثبت على جواز التسبيح بالنَّوى والحصى حديثان: أحدهما . من رواية سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه: (( أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأته وبين يديها نوى أو حصى تسبِّح به . والثاني: حديث صفية أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (( دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يَديَّ أربعة آلاف نواة أُسبِّح بها )) أخرجه الترمذي . قال الإمام الشوكاني في ( نيل الأوطار ): هذان الحديثان يَدلاّن على جواز عقد التسبيح بالنَّوى والحصى وكذا بالسبحة لعدم الفارق، لتقريره صلى الله عليه وسلم للمرأتين على ذلك وعدم إنكاره، والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز، والله أعلم .

* * *

(1/111)


فصلٌ في الكفاءة
... س: ما معنى الكفاءة ؟
ج: الكفاءة لغةً: التساوي والتعادل، وشرعاً: أمر يوجب عدمه عاراً، وضابطها: مساواة الزوج للزوجة في كمال أو خسة .
***
... س: ما علة وجوب اعتبار الكفاءة في النكاح ؟
ج: قال العلماء: علة وجوب مراعاتها في النكاح هو دفع العار الملوث للعرض الذي هو من الكليات الخمس التي يجب حفظها بالإجماع، وهي الدين والنفس والعرض والمال و العقل ؛ ولأن النكاح يعقد للعمر يشتمل على أغراض ومقاصد كالصحبة والألفة وتأسيس القرابات ولا ينتظم ذلك إلاّ بين الأكفاء.
... س: ما الدليل على وجوب اعتبار الكفاءة في النسب ؟
ج: لذلك أدلة كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: (( تخيَّروا لِنُطَفِكم فإن العرق نَزَّاع، فانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم )). رواه ابن ماجة والحاكم و البيهقي . ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لسيدنا علي كرم الله وجهه: (( ثلاث لا تؤخروها: الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت و الأيِّم إذا وجدت لها كفؤاً )) رواه الترمذي .

(1/112)


ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم )) رواه مسلم و الترمذي وغيرهما .
قال العلماء: وفي هذه الأحاديث دلالة على أن غير قريش من العرب ليسوا أكفاء لهم في النكاح، ولا غير بني هاشم أكفاء لهم، ولما كانت الآيات والأحاديث تدل قطعاً على أنَّ أولاد الحسن والحسين منسوبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم نسبة صحيحة لا خلاف بين العلماء فيها وقد أجمعت الأمة على ذلك، صاروا أحسن الناس حسباً ونسباً وأنهم لا يُكافئهم أحد من الخلق .
قال الإمام السيوطي رحمه الله في ( الخصائص ): ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم: أنَّ أولاد ابنته فاطمة منسوبون إليه وأنهم لا يُكافيهم في النكاح أحد من الناس، والدليل على ذلك ما أخرجه الحاكم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لكل بني أب عصبة إلاّ ابني فاطمة فأنا وليهما وعصبتهما )).
وأخرج الطبراني عن فاطمة مرفوعاً (( كل بني أنثى ينتمون إلى عصبتهم إلاّ ولد فاطمة فإنِّي أنا وليُّهم وأنا عصبتهم وأبوهم )).

(1/113)


وأخرج الطبراني وأبو الخير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله جعل ذرية كل نبيّ في صلبه، وجعل ذريتي في صُلْبِ علي بن أبي طالب )).
واعلم أن القرآن والسنة لم يصرحا أبداً بعدم اعتبار الكفاءة في النسب ولا باعتبار في الدين، نعم صرَّحا بفضل أهل التقوى على غيرهم وصرَّحا أيضاً بتفاضل الناس بعضهم بعضاً من غير جهة الدين وصرَّحا بفضل أهل البيت على غيرهم، وصرَّحت السنة بفضل العرب على العجم وبفضل قريش وبفضله صلى الله عليه وسلم وفضل ذريته على بني هاشم، ومن هنا قال جمهور العلماء باعتبار الكفاءة في قال العلماء رحمهم الله: ولا يصح الاستدلال على عدم اعتبار الكفاءة بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى } الآية، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلاّ بالتقوى ))، وقوله: (( إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي المتقون ))، فليس في ذلك كلّه دلاله على سقوط الكفاءة في النسب ، لأن تلك الآية والأحاديث واردة في فضل أهل التقوى ، ولا شكَّ أن الكريم عند الله المتصف بها وليس كلامنا فيه ،

(1/114)


وإنَّما الكلام في أنَّ النسب العَلي هل يفتخر به ذوو العقول في الدنيا أو لا ؟ ولا شكَّ في الافتخار به وأن من أجبرها وليُّها على نكاح غير مُكافئ لها في النسب يعدُّ ذلك بخساً وعاراً عليها ، والنهي عن الافتخار بالنسب محمول إذا كان مع الخيلاء والازدراء بالفقراء ، وأمّا إذا كان تحدثاً بالنعمة وحفظاً للعرض من العار أو لمراعاة حقّ النسب فليس بمذموم بل معمول به عند ذوي العقول والمروءات كقوله صلى الله عليه وسلم: (( أنا سيد ولد آدم ولا فخر )) وقوله في يوم حُنين: (( أنا النبيُّ لا كذب أنا ابن عبدالمطلب )) .
قال العلماء: أمّا قوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير )) فليس فيه ما يدلُّ على عدم اعتبار الكفاءة في النسب أيضاً لأن معنى الحديث: إن لم ترغبوا في ذي الدين والخلق المرضي الموجبين للصلاح والاستقامة ورغبتهم في مجرد المال الجالب للطغيان الجارِّ للبغي والفساد تكن فتنة .. ألخ . ذكر ذلك السيد محمد المرتضى الزبيدي في شرحه على ( الإحياء ) .
... فإن قيل: قد زوَّج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش القرشية من مولاه زيد بن حارثة، و زوج فاطمة بنت قيس الفهرية من أسامة بن زيد ؛ قال العلماء: لأن من خصوصية

(1/115)


صلى الله عليه وسلم أن يزوج من شاء من النساء بمن شاء من الرجال بغير رضاهن ولا رضا أوليائهن لقوله تعالى: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( أنا ولي كل مؤمن ))، فلا يقاس أحد به صلى الله عليه وسلم في ذلك، وفي القصة: (( أنَّه صلى الله عليه وسلم لما خطب زينب لمولاه زيد أبت وأبى أخوها، وبقي صلى الله عليه وسلم يلحُّ عليها وهي تأبى حتى أنزل الله { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } ، فحينئذٍ قالت: رضيته لي يا رسول الله ؟ قال: رضيت، فأنكحها إيَّاه )) . قال العلماء: إنَّ زينب إنما لم ترض بزيد لكونها تراه غير كفؤ لها من جهة النسب ولكن لما كان أمره صلى الله عليه وسلم واجب الامتثال زوجها به حتما، وكذلك فاطمة بنت قيس فإنها لم ترض أوَّلاً بأُسَامة حتَّى قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( طاعة الله وطاعة رسوله خير لك ))، فرضيت حينئذٍ، فلو كانت الكفاءة لا تعتبر إلاّ في الدين فقط لما أبت زينب وفاطمة عن زيد وأسامة وهما من أجلاء الصحابة ومن أحبِّ الناس إليه صلى الله عليه وسلم . والله أعلم .

(1/116)


... س: ما حكم الكفاءة في النكاح من جهة النسب عند الأئمة الأربعة ؟
ج: اتفقت الأئمة الثلاثة الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجمهور علماء الأمة على اعتبار الكفاءة في الدين والنسب إلاّ ما ذكروا عن الإمام مالك أنه لم يعتبر في النسب، واختلفوا في باقي صفاتها . والله أعلم .
... س: ما حكم إذا اتفق الأولياء و المرأة على نكاح غير كفؤ ؟
ج: يصح العقد عند الأئمة الثلاثة وفي رواية عن الإمام أحمد أنه لا يصح وإن أسقطوا الكفاءة، وقال ابن تيمية في ( فتاويه )عند ذكر الكفاءة في النسب: أمَّا عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه فهي حق للزوجة والأبوين فإذا رضوا بدون كفؤ جاز، وعند أحمد هي حقٌّ لله فلا يصح النكاح مع فراقها . والله أعلم .
قال العلماء: والحاصل أنَّ مذهب الإمام أحمد لابُدَّ في إسقاط الكفاءة من رضى المرأة وأوليائها قريبهم وبعيدهم حتى من يحدث منهم ولمن لم يرض الفسخ، وفي رواية أخرى للإمام أحمد لا يجوز بحال وإنْ رضيت المرأة وأوليائها لأنها على هذه الرواية حق لله فلا يصح النكاح مع عدمها .

(1/117)


وقد اختار السادة العلويين في تزويج بناتهم مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وهو اعتبار رضى جميع العصبة الأقرب والأبعد حتى لمن يحدث من عصبتها الفسخ لأن العار في تزويج غير الكفؤ عليهم أجمعين، وعلى ذلك عملهم حيث كانوا حرصاً على صون الأنساب المصطفوية واحترامها لهذه البضعة النبوية. ذكر ذلك العلامة علوي بن أحمد السقاف في حاشية (فتح المعين ).
... فإن قيل: قد زوَّج سيدنا علي كرَّم الله وجهه بناته اللاتي أمُّهن فاطمة الزهراء من غير بني هاشم، قد أجيب عن ذلك: بأنَّ في ذلك الوقت لم يكثر انتشار من له حق في هذا النسب الطاهر بل هو موجود وحاضر فلا يعسر اجتماع الكل ورضاهم بذلك، وأمَّا بعد أن كثروا وانتشروا في أقطار الأرض تعذر ذلك الاجتماع و الرضى، لأن هذا الحق لهذا النسب راجع لكل من انتسب إلى الحسنين ورضا جميع أولادهما متعذر فافهم . وبعضهم اعتمد الرواية الأخرى من مذهب أحمد وهي عدم صحة النكاح وإنْ رضي الأولياء لأن الكفاءة من حق الله .
... فإن قيل: ذكر الفقهاء أنَّ المرأة إذا أسقطت كفاءتها مع وليها الأقرب جاز نكاحها ممن لا يكافئها ولا اعتراض حينئذ للأبعد، أجيب: بأن غاية ما ذكروه غير الحنابلة رخصة فقط والقاعدة

(1/118)


عندهم إن الرُّخص لا تُنَاط بالمعاصي، فيتعين حمل ذلك إذا لم يحصل شيء من الإثم والحرج، وأما تزويج شريفة ممن لا يكافئها في نسبها فينبغي أن لا يدخل في عموم تلك الرخصة لما في ذلك من الإيذاء والإهانة بالعِترة الطاهرة، فأيَّ معصية في الدين مثل إيذائهم لأن في ذلك إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة الزهراء رضي الله عنها لأن أهل البيت بضعة منها وهي بضعة منه صلى الله عليه وسلم وما ثبت للأصل ثبت حكمه للفرع وقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني ))، وصحَّ أيضاً أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: (( يا فاطمة إن الله تعالى يغضب لغضبك ويرضى لرضاك ))، ومن آذى أحداً من ولدها فقد تعرض لهذا الخطر العظيم .
فعُلِمَ مما تقدم أنَّ ما أفتى به السادة بنو علوي الذين هم خلاصة أهل البيت النبوي من أنَّه: لا يجوز نكاح الشريفة بغير شريف مطلقاً، هو الحق الذي لا يجوز مخالفته ولا يسعنا إلاّ موافقته، وعليه عملهم في جميع الأقطار وتبعهم على ذلك العلماء في سائر الأمصار .
... تنبيه: واعلم أن الخلاف لا يثبت في مسألة الكفاءة من جهة النسب إلاّ إذا لم يكن فيها أمر من الولاة والحكام لأن العلماء مجمعون على وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وحرام.

(1/119)


وقد ذكر السيد العلامة علوي بن أحمد السقاف رضي الله عنه في حاشيته على ( فتح المعين ): أنَّ الدولة العثمانية قد أصدرت أوامرها العالية قديماً وحديثاً بأن لا يتزوج نساء السادة الأشراف غيرهم، فصار المنع عن تزويج بنات الأشراف بغيرهم متفق عليه عند الأئمة وجميع علماء الأمة . والله أعلم .

* * *

(1/120)


في الحث على محبة أهل البيت
... س: ما حكم محبَّة أهل البيت النبوي في دين الإسلام ؟
ج: اعلم أنه من المشهور والمعلوم عند الخاص والعام أنَّ محبَّة أهل بيت النبيِّ وذريته صلى الله عليه وسلم فرض على كافة أهل الإسلام، وقد ثبت في الآيات القرآنية والسنة النبوية الحثُّ على محبتهم والأمر بمودتهم ودرج على ذلك أعلام الصحابة والتابعين وأئمة السلف المهتدين .
***
... س: ما الآيات القرآنية الدالة على وجوب محبتهم ؟
ج: من الآيات القرآنية الدالة على وجوب محبتهم قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } . وأخرج الإمام أحمد و الطبراني والحاكم أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: (( يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال: علي وفاطمة، وابناهما )) . وعن سعيد ابن جبير رحمه الله في قوله تعالى: { إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } ، قال: (( قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم )) . رواه الترمذي في جامعه . وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: { وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) } . قال: (( الحسنة مودَّة آل محمَّد )) . ذكره الثعلبي في تفسيره .
***

(1/121)


... س: ما الأحاديث التي تدل على وجوب محبتهم ؟
ج: وأما الأحاديث التي تدلُّ على وجوب محبتهم فكثيرة، منها: ما أخرجه ابن ماجةعن العباس بن عبدالمطلب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ما بال أقوام إذا جلس إليهم أحد من أهل بيتي قطعوا حديثهم، والذي نفسي بيده لا يدخل قلب امرئ الإيمان حتى يحبهم لله ولقرابتي ))، وفي رواية: (( لا يؤمن عبد بي حتى يحبني ولا يحبني حتى يحب أهل بيتي )) .
وأخرج الترمذيوالحاكم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي )) .
وأخرج الديلمي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( أدِّبوا أولادكم على ثلاث خصال، حب نبيكم، وحب أهل بيته، وقراءة القرآن )) .
وأخرج الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (( آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم: اخلفوني في أهل بيتي )) .
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( إنَّ لله عز وجل ثلاث حُرمَات فمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه، قيل: ما هُنَّ ؟ قال: حرمة الإسلام، وحرمتي، وحرمة رحمي )).
وأخرج البيهقي و الديلمي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وتكون عترتي أحب إليه من عترته ويكون أهلي أحب إليه من أهله )).

(1/122)


و روى البخاري في صحيحه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: (( يا أيها الناس ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته واحفظوه فيهم فلا تؤذوهم )). وكان رضي الله عنه يقول: (( والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليَّ أن أصِلَ من قرابتي )).
وفي ( الشفاء ) للقاضي عياض عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( معرفة آل محمد براءة من النار، وحب آل محمد جواز على الصراط، والولاية لآل محمد أمان من العذاب )).

* * *

(1/123)


في التحذير من بغضهم والتعرض لأذيتهم
اعلم أنه قد ورد من الآيات والأحاديث في التحذير من بغضهم والتعرض لأذيتهم شيء كثير فليحذر المسلم المشفق على دينه من بغض أحد من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك يضره في دينه وآخرته ويعدُّ به مسيئاً إلى نبيه ومؤذياً له صلى الله عليه وسلم .
وقد ذكر العلماء رحمهم الله الأحاديث الواردة في أن من آذى أهل البيت فقد آذى النبي صلى الله عليه وسلم ومن آذاه صلى الله عليه وسلم فقد آذى الله واستحقَّ اللعن والعذاب ودخل في خطر الوعيد الوارد في قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) } . وقوله تعالى: { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ } الآية .
وأخرج الطبراني و البيهقي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر: (( ما بالُ أقوام يؤذونني في نسبي وذوي رحمي، ألاَ مَن آذى نسبي وذوي رحمي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالى )) .
وأخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم )) ،

(1/124)


يعني أهل بيته صلى الله عليه وسلم . قال صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ الله حرَّم الجنة على من ظلم أهل بيتي أو قاتلهم أو أعان عليهم أو سبهم )) رواه الإمام أحمد . وأخرج المُلاَّفي سيرته مرفوعاً: (( لا يحبنا أهل البيت إلاّ مؤمن تقي، ولا يبغضنا إلاّ منافق شقي )). وأخرج الطبراني والحاكم في صحيحه وقال على شرط مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لو أن رجلاً صَفَن بين الركن والمقام وصلى وصام، ثم مات وهو مبغض لأهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم دخل النار )). وقال عليه الصلاة والسلام: (( اشتد غضب الله على من آذاني في عترته )) أخرجه الديلمي.

* * *

(1/125)


فضائل أهل بيت رسول الله
... س: هل الاتصال به صلى الله عليه وسلم والانتساب إليه من أعظم المفاخر ؟
ج: نعم، الاتصال به صلى الله عليه وسلم والانتساب إليه من أعظم وأشرف المآثر عند ذوي العقول والبصائر، وأنَّ أصوله وفروعه صلى الله عليه وسلم أشرف الأصول والفروع لاتصال نسبهم بنسبه، وارتباط حسبهم بحسبه . وقد اتفق العلماء رحمهم الله على أن السادة الأشراف أحسن الناس عنصراً من جهة الآباء والجدود وأنهم متساوون مع غيرهم في الأحكام الشرعية والحدود .
***
... س: ما الآيات والأحاديث الدالة على فضائل أهل البيت وصحة انتسابهم لجدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
ج: من ذلك قوله تعالى : { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) } الآية، قال العلماء: قوله أهل البيت يشمل السكنى وبيت النسب فزوجاته عليه السلام أهل بيت السكنى وأقاربه أهل بيت النسب، وقد جاءت أحاديث تدل على ذلك،

(1/126)


منها ما أخرجه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (( إنَّ هذه الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم )) . وصح أنه صلى الله عليه وسلم جعل على هؤلاء كساء وقال: (( اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا )) . وفي رواية: (( ألقى عليهم كساء و وضع يده عليهم وقال: اللهم إنَّ هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد إنَّك حميدٌ مجيدٌ )) .
ومن الآيات الدالة على فضلهم قوله تعالى: { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)} ، قال أهل التفسير: لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم فاحتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ومشت فاطمة خلفه وعلي خلفهما وقال: اللهم هؤلاء أهلي .

(1/127)


وفي هذه الآية دليل صريح على أنَّ أولاد فاطمة وذريتهم يسمون أبناءه صلى الله عليه وسلم وينسبون إليه نسبةً صحيحةً نافعة في الدنيا والآخرة (1).
وأما الأحاديث الواردة في فضائل أهل البيت ومزاياهم فهي كثيرة: أخرج أبو يعلى عن سَلَمة بن الأكوَع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( النجوم أمان أهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف )). وأخرج الإمام أحمد في المناقب عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( النجوم أمانٌ لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض ))،

---------------------------------------------
(1) حُكِيَ أن هارون الرشيد سأل موسى الكاظم رضي الله عنه فقال: كيف قلتم نحن ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم و أنتم بنو علي، و إنما يُنسبُ الرجل إلأى جدِّه لأبيه دون جدِّه لأمِّه؟ فقال الكاظم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم * بسم الله الرَّحمن الرَّحيم* ( وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ) و ليس لعيسى أب و إنما أُلحِقَ بذريه الأنبياء من جهة أمِّه ، و كذلك أُلحقنا بذرية نبينا صلى الله عليه وسلم من قِبَل أمنا رضي الله عنها ، و زيادة أخرى يا أمير المؤمنين نزول آية المباهلة و لم يدعُ رسول الله صلى الله عليه وسلم غير علي و فاطمة و الحسن و الحسين رضي الله تعالى عنهم . ذكرها في مجمع الأحباب.

(1/128)


وفي رواية للإمام أحمد: (( فإذا هلك أهل بيتي جاء أهل الأرض من الآيات ما كانوا يوعدون )). وأخرج الحاكم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( وعدني ربي في أهل بيتي من أقر منهم لله تعالى بالتوحيد ولي بالبلاغ أن لا يعذبهم )).
وأخرج الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( إنِّي تاركٌ فيكم ما إنْ تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله عزَّ وجلَّ حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعِترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما )). وصحَّ أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق - وفي رواية: هلك - ومثل أهل بيتي فيكم مثل باب حِطّة في بني إسرائيل من دخله غفر له )). وأخرج الديلمي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( الدعاء محجوب حتَّى يُصلى على محمد وآل بيته )). وللإمام الشافعي رضي الله عنه :
يا أهل بيتَ رسولِ الله حبُّكُم ... فرضٌ من الله في القرآن أنزَلَهُ
كفاكمُ من عظيم القدر أنَّكمُ ... من لم يُصَلِّ عليكم لا صَلاَةَ لَهُ

(1/129)


قال بعض المحققين نفع الله بهم: من أمعن النظر في الواقع والمشاهد وجد أهل البيت - إلاّ من نَدَر - هم القائمون بوظائف الدِّين والدَّعوة إلى شريعة سيد المرسلين المتقون لربهم والمقتفون لجدهم، يضعون القَدم على القَدم، ومن يشابه أباه فما ظلم، وعلماؤهم هم قادة الأمم، والشموس التي تنجاب بها الظلم، فهم بركة هذه الأمّة، الكاشفون عنها من غياهب الكون كل غمة، فلابد وأن يوجد في كل عصر طائفة منهم يدفع الله بها عن الناس البلاء، فإنهم أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: (( تَعلَّموا منهم ولا تعلّموهم، وأنكم حزب إبليس إذا خالفتموهم ))، أمَا جاء عنه أنَّ المتمسك بهم لا يضل أبداً وأنهم لن يدخلوكم باب ضلالة ولن يخرجوكم عن باب هدى، ألم يخبر أنهم أمان هذه الأمّة، وأن الله قد جعل فيكم الحِكمة، وأنَّ من ناوأهم فهو عن دين الله مارق، وأن من أبغضهم فهو بالنص منافق، وأخبر أنهم لن يفارقوا كتاب الله حتى يجمعهم شاطئ الحوض وإيَّاه . اهـ
***
... س: هل الانتساب إليه صلى الله عليه وسلم نافع في الدنيا والآخرة ؟
ج: نعم، الانتساب إليه صلى الله عليه وسلم نافع في الدنيا والآخرة .
***

(1/130)


... س: ما الدليل على ذلك ؟
ج: لذلك أدلة كثيرة منها صلى الله عليه وسلم: (( كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلاّ نسبي وصهري )) رواه ابن عساكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهذا الحديث يدل على عظيم نفع الانتساب إليه صلى الله عليه وسلم .
ومنها: ما أخرج البزّار و الطبراني وغيرهما من حديث طويل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع، إنَّ كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي، وإنَّ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة )). و روى الإمام أحمد والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: (( ما بال رجال يقولون: إنّ رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنفع يوم القيامة، بلى والله إنّ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة وإني أيّها الناس فَرَط لكم على الحوض )).
***
... س: ما معنى ما ورد في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( يافاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبدالمطلب أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئاً )) ونحو ذلك من الأحاديث ؟

(1/131)


ج: قال العلماء نفع الله بهم: لا تعارض بين الحديث المذكور وبين الأحاديث الواردة في فضل أهل بيته صلى الله عليه وسلم، لأن معنى الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم لا يملك لأحد من الله شيئاً لا ضراً ولا نفعاً، لكن الله يُمَلِّكُه نفع أقاربه بل جميع أمته بالشفاعة العامة والخاصة، فهو لا يملك إلاّ ما يُمَلِّكُه له مولاه عزّ وجل . وكذا قوله صلى الله عليه وسلم في رواية: (( لا أُغني عنكم من الله شيئاً )) أي: بمجرد نفسي من غير ما يكرمني الله به من شفاعة أو مغفرة من أجلي ونحو ذلك، وقد أشار صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله في آخر الحديث: (( غير أن لكم رحماً سأبلها ببلاها )) أي: سأصلها بصلتها.
فاقتضى مقام التخويف إلى خطابهم بذلك مع الإيماء إلى حق رَحِمه، وقد صحت الأحاديث النبوية في أنّ نِسْبَة أهل بيته إليه صلى الله عليه وسلم نافعة لهم في الدنيا والآخرة، فمن ذلك ما أخرجه أحمد والحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( فاطمة بضعة مني يغضبني ما يغضبها ويبسطني ما يبسطها، وأن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري )) .

(1/132)


وأخرج الحاكم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( وعدني ربي في أهل بيتي من أقر منهم لله بالتوحيد ولي بالبلاغ أن لا يعذبهم )) (1) .

* * *

--------------------------------------
(1) و في فتاوى الإمام العلامة خاتمة المحققين أحمد بن حجر رحمه الله و قد سُئِل عن الشريف الجاهل أو العالم العامل أفضل ؟ و أيهما أحقُّ بالتوقير إذا اجتمعا أو أُريد تفريق نحو قهوة عليهما أيُّهما أحقُّ بالبداءة ؟ أو أراد شخص التقبيل فأيُّهما يبدأ به؟ فأجاب رضي الله عنه بقوله: في كل منهما فضل عظيم، أما الشريف فلما فيه من البِضعة الكريمة التي لا يعادلها شيء؛ و من ثَمَّ قال بعض العلماء: لا أعادل بِضعته صلى الله عليه وسلم أحداً، و أما العالم العامل فلِما فيه من نفع المسلمين و هداية الضالين فهم خلفاء الرسل و وارثوا علومهم و معارفهم ؛ فيتعيَّن على الموفَّق أن يرى للكل من الأشراف و العلماء حقهم من التوقير و التعظيم، و المبدوء به إذا اجتمعا الشريف لقوله صلى الله عليه وسلم : " قدِّموا قريشاً" و لِما فيه من البِضعة الشريفة ، و المراد بالشريف المنسوب إلى الحسن و الحسين رضي الله عنهما و عليهما و على آل بيتهما السلام . و الله سبحانه و تعالى أعلم . اهـ بتصرف.

(1/133)


... س: ما حكم من أنكر أن تكون للنبي صلى الله عليه وسلم ذرية ينتسبون إليه، محتجاً بقوله تعالى: { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ } ؟
ج: إنّ هذا القول والاستدلال بديهي البطلان لا يشكُّ في بطلانه أحد ممن يشم رائحة الإيمان فإن الآية المذكورة نزلت في شأن زيد بن حارثة رضي الله عنه وذلك أنه صلى الله عليه وسلم تبنَّاه وهو صغير وقال زيد ابني يرثني وأرث منه فكان يدعى زيد بن محمد ثم نهى الله تعالى عن التبني وأبطله وأنزل في ذلك: { ادْعُوهُمْ لآبائِهم هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ } . فقيل له زيد بن حارثة فلما كبر زيد زوَّجه صلى الله عليه وسلم من ابنة عمته زينب بنت جحش ثم أن زيد طلقها فلما انقضت عِدَّتها خطبها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه وزوَّجه الله إياها من فوق سبع سمواته: { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا } ، فتكلم بعض المنافقين وقالوا: إنّ محمداً تزوج امرأة ابنه وهو ينهي الناس عن ذلك فأنزل الله ردَّاً عليهم: { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ } .
وقد اتفق العلماء أن من خصوصيته صلى الله عليه وسلم أن أولاد بناته ينسبون إليه نسبةً صحيحة لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه وجعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب )) رواه الطبراني .

(1/134)


وقال صلى الله عليه وسلم: (( كل بني أب عصبة إلا ابني فاطمة فأنا وليِّهما وعصَبتهما )) .
***
... س: هل يجوز تقبيل أيدي أهل البيت النبوي ؟
ج: نعم، يجوز ذلك بل ينبغي لأن هذا التقبيل هو تقرب وتودد إلى الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى: { قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } .
... س: هل لذلك من دليل ؟
ج: يدل على ذلك ما رواه الحاكم و البيهقي وصحَّحه ابن عساكر وابن عبدالبر عن الشعبي قال: (( صلَّى زيد بن ثابت على جنازة أُمِّه، ثم قُرِّبتْ له بغلته ليركبها فجاءه ابن عباس رضي الله عنهما فأخذ بركابه فقال زيد: خَلّ عنك يا ابن عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هكذا نفعل بالعلماء،

(1/135)


فقبَّل زيد ابن عباس رضي الله عنه، وقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا )). وأخرج البخاري في (الأدب المفرد ) عن صهيب قال: (( رأيت علياً يُقبِّل يد العباس ورجله )).

* * *

(1/136)


( تتمة )
سُئِلَ المؤلف نفع الله به عن الأسئلة التالية، فأجاب عنها بما يلي :
السؤال الأول: ما حكم التوسل ؟ وما هي أقوال العلماء في ذلك ؟
الجواب: اعلم أن الذي نعتقده وندين الله به معاشر أهل السنة أن بين الأسباب ومسبباتها ملازمة عادية، أي أن الله جل وعلا يخلق التأثيرات في الأشياء عند حصول أسبابها فيخلق الإحراق عند ملامسة النار للمحروق، ويخلق القطع عند ملامسة السكين للمقطوع، ويخلق الشفاء عند تناول المريض للدواء وهكذا في كل الأمور، فمن اعتقد هذا المذهب فهو المؤمن المحقق لإيمانه .
فالتوسل بأحباب الله من الأنبياء والأولياء من هذا القبيل، نتخذهم وسائل وأسباباً عادية بيننا وبين الله تعالى في قضاء الحوائج وحصول المطالب لقربهم من الله تعالى و وجاهتهم لديه ومحبته لهم ومحبتهم له، من غير أن نعتقد أن لهم تأثيراً في شيء من الأشياء،

(1/137)


وإنما يتبرك بهم ويستغاث بمقامهم لكونهم أحباب الله فهو يجيب دعاءهم ويقبل شفاعتهم وفي الحديث القدسي عن الله تبارك وتعالى قال: (( ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده الذي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينّه ولئن استعاذني لأعيذنّه )) رواه البخاري.
وإذا كان الأمر كذلك فلا فرق في جواز التوسل بالأحياء والأموات، فالذين يفرّقون بينهما فكأنهم يعتقدون التأثير للأحياء دون الأموات، ونحن نقول: لا تأثير ولا نفع ولا ضر لأحد حي أو ميّت إلاّ لله وحده لا شريك له { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } ، { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) } .
وقد ذهب جمهور أهل السنة والجماعة والسواد الأعظم من المسلمين على جواز التوسل بالذات الصالحة أو العمّال الصالحين كما يجوز ذلك بالأعمال الصالحة لعموم قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } و روى الترمذي والنسائي و البيهقي و الطبراني بإسناد صحيح عن عثمان بن حنيف (( أن رجلاً أعمى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يارسول الله ادع الله أن يكشف بصري، فقال صلى الله عليه وسلم: إنْ شئتَ دعوتُ الله

(1/138)


وإنْ شئتَ صبرتَ، قال: فأمره أن يتوضأ ويحسن وضوءه ثم يدعوا بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي، اللهم شفعه فيّ، فذهب ففعل ما أمره به ثم رجع وقد أبصر )) .
ولم يزل الصحابة و التابعون ومن بعدهم من السلف والخلف يستعملون هذا الدعاء في قضاء حوائجهم .
و روى ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: (( من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق الراغبين إليك وبحق ممشاي هذا إليك فإني لم أخرج بطراً ولا أشِراً ولا رياءً ولا سمعةً بل خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك فأسألك اللهم أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي فإنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت؛ إلاّ وكّل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته )). فهذا توسل صريح بكل عبد مؤمن حياً أو ميتاً وكان صلى الله عليه وسلم يأتي بهذا الدعاء عند خروجه للصلاة كما رواه البيهقي وابن السني و أبو نعيم .
***

(1/139)


السؤال الثاني: ما حكم زيادة لفظ السيادة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ؟
الجواب: وأما زيادة لفظ السيادة في صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإن كتب الأئمة الثلاثة متفقة على مشروعية ذلك تعظيماً له صلى الله عليه وسلم وتقديماً لمقام سلوك الأدب على مقام امتثال الأمر الوارد بقوله في حديث بشير بن سعد: (( قولوا: اللهم صلّ على محمد .. ))الخ، خلافاً للإمام أحمد القائل: بتقديم مقام امتثال الأمر على مقام سلوك الأدب، مع كون الإمام أحمد مثبتاً للسيادة في غير هذا الموطن، وإنما أراد فضل الإتباع إذْ سيادته صلى الله عليه وسلم متفق عليها، فهو سيد الأولين والآخرين في الدنيا والآخرة وفي الصحيح: (( أنا سيّد ولد آدم ولا فخر )) . قال العلماء :وأما حديث: (( لا تُسيِّدوني في الصلاة )) فباطل لا أصل له ومع كونه حديثاً موضوعاً فهو لحن من جهة العربية لأنه لا يُقال: ساد يسيد، وإنما يقال: ساد يسود . والنبي صلى الله عليه وسلم لا يلحن، فنسبة اللحن إليه أشد غلطاً بل يخشى على فاعل ذلك أن يدخل تحت وعيد قوله صلى الله عليه وسلم: (( من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار )).
***

(1/140)


السؤال الثالث: ما هي أقوال العلماء في حكم البناء على القبور ؟
الجواب: وأما البناء على القبور فقد ذكر العلماء في ذلك تفصيلاً: إنْ كان ذلك في أرضٍ مملوكةٍ فجائز مع الكراهة سواء كان المبني قبة أو غيرها، وإن كان في مقبرة موقوفة أو مسبلة فهو حرام، وعلة التحريم: التحوز عن الدفن والتضييق للمقبرة، نعم استثنى بعضهم قبور الصالحين وأئمة المسلمين فيجوز البناء عليها ولو في مسبلة لما في ذلك من إحياء الزيارة المأمور بها في الشرع ولينتفع بها الحي والميّت بالقراءة عندها، واستدلوا على ذلك بعمل المسلمين سلفاً وخلفاً في جميع الأمصار والأعصار كما أجتمعت الأُمّة على بناء القُبّة الخضراء على قبر الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم .

* * * * * * *

(1/141)


(1/142)


هذه الأجوبة الدامغة

في الرّد على

عقائد الشيعة(1) الزائغة
--------------------------------------
(1) و هم الذين ينتحلون حبَّ أهل البيت و ليسوا كذلك، و يزعمون أنهم أتباع أكابرهم: مثل الحسنين و أبيهما و علي بن الحسين و زيد بن علي و جعفر الصادق - رضي الله عنهم - وهم يتبرؤن من أبي بكر و عمر و عثمان و معاوية و عمرو بن العاص و أنصارهم - رضي الله عنهم - و يسبونهم.

(1/143)


... س: ما حُجة أهل السُّنة و الجماعة في تقديمهم الخلفاء الثلاثة على سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ونفعنا بهم ؟
ج: حجتهم في ذلك إجماع الصحابة رضي الله عنهم على تقديم الصِّدّيق ثم الفاروق ثم عثمان في المبايعة، وهم لا يجتمعون على ضلالة قط للحفظ الإلهي لهم عن ذلك، وعصمتهم من الإجماع على باطل أو خطأ بنص قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا تجتمع أمتي على ضلالة )) وفي رواية (( على خطأ )) رواه أبو داود و الترمذي وابن ماجة و الدارقطني والحاكم .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح )) رواه الإمام أحمد و البزّار و الطبراني وأبو نعيم و البيهقي و الطيالسي . وقوله صلى الله عليه وسلم: (( من فارق الجماعة مات ميتةً جاهليتةً )) رواه البخاري ومسلم . وغير ذلك من الأحاديث الصريحة الدالة على وجوب إتباع ما اتفقت عليه الأمة والتحذير من الشذوذ عنها، ومن شذّ شذّ إلى النار { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) } . وحاشا الصحابة أو أحداً منهم أن يخفوا الحق أو يتركوا القيام به خيفة أو مداهنة وهم خيار هذه الأمة والشهود العدول

(1/144)


الأئمة بشهادة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تبارك وتعالى: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } ، وقال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )) الحديث رواه البخاري . ومدح الله ورسوله لا يتبدّل، و وعدُهما لا يخلف ولا يتحوَّل، إذْ هو سبحانه المُطّلع على عواقب الأمور فلا يُمدَح إلاَّ من سبقت له منه الحسنى .. فافْهَمْ .
***
... س: هل نصَّ النبي صلى الله عليه وسلم على خلافة أحد بعده ؟
ج: اجمع معظم الأئمة على أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص على خلافة رَجل مُعين، ولو كان هناك نصٌّ صريح على ذلك لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم أوَّلاً، ولذكر حافظُ النصِّ ما معه ولرجعوا إليه (1). نعم نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم

-------------------------------------
(1) أما ما تزعمه الشيعة من النص على علي رضي الله عنه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين، و أوَّل من كذَّبهم عليٌّ نفسه ؛ إذ لو كان عنده نصٌّ لذكره ، و لم يُنقل عنه ذلك في يوم من الأيام مع إن أمر الخلافة ممَّا تتوفر الدواعي على نقله ، و إذا لم يكن نصٌّ فالبيعة لم توجد لعير أبي بكر إجماعاً.

(1/145)


وأشار إلى خلافة الصديق رضي الله عنه حين قدَّمه لإمامة الصلاة بالناس، فقال كما في الصحيح: (( مُرُوا أبا بكر فليُصَلِّ بالناس )) والإمامة في الصلاة من وظيفة الخليفة، ولذلك قال الصحابة منهم الإمام علي رضي الله عنه: (( رضينا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا )) (1).
و روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: (( ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإنّي أخشى أن يتمنى متمنٍّ ويقول قائل: أنا أوْلى، ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر )).
و روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في آخر حياته، فممَّا قال: (( إنّ أمَنَّ الناس عليَّ في صُحبته وماله أبو بكر فلو كنت متخذاً
-------------------------------------
(1) أما ما تدَّعيه الشيعة من أن النبي صلى الله عليه وسلم عزل أبا بكر بخروجه و إمامته، و تخلف أبي بكر ليكون مأموماً فزعم باطل؛ لأن الروايات صريحة في أن أبابكر صلَّى بالناس بعد ذلك ثلاثة أيام و لم يخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(1/146)


من أهل الأرض خليلاً لأتَّخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوَّة الإسلام، لا يبقى في المسجد خوخة إلاّ سُدَّت إلاّ خوخة أبي بكر )).
***
... س: ما سبب تأخر الإمام علي بن أبي طالب عن مبايعة أبي الصديق رضي الله عنهما ؟
ج: اعلم أن أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه هو أجل من أن يتواطأ على خلاف ما أمر الله به ورسوله من المبايعة لغيره جبناً وخوراً فإنه أشجع المؤمنين لا تأخذه لومة لائم في الدين، غير أنّه تأنى حتّى ظهر له الحق فاتبعه . وقد ثبت بإجماع الأمة أنّه رضي الله عنه بايع أبا بكر وترضّى عنه وعن عمر وأثنى عليهما بعد وفاتهما وعقد الخلافة لعثمان، وهل يجوز لمثله وهو الأسد الغالب وليث بني غالب أنْ يداهن في دين الله أو ينبذ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
***
... س: ما الذي يجب علينا اعتقاده في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين ؟
ج: يجب أن نعتقد فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنّهم عدول خِيَارٌ أمناء، لا يجوز سبُّهم ولا القدحُ في أحد منهم ولا سوءُ الظن به،

(1/147)


فقد قال عليه الصلاة والسلام: (( لا تسبُّوا أصحابي فوَالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل جبل أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه ))رواه الشيخان .
وقال صلى الله عليه وسلم: (( من سب أحداً من أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلا )) رواه البيهقي .
قال العلماء رحمهم الله: إنّ سبَّهم والطعن فيهم إذا كان مما يخالف الأدلة القطعية فهو كافر كقذف أُمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وإلاّ فبدعة وفسق . فعلى المسلم المشفق على دينه أن ينطوي باطنه في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على المحبة وحسن الظن والاحترام، وأنْ يُثني عليهم ويترضى عنهم ويمسك عن الخوض فيما لا يعنيه من فضول الكلام حتى يصير من أهل هذه الآية { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } الآية .
***
... س: ما واجبنا فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم من الاختلافات والمنازعات ؟
ج: يجب علينا الإمساك عما شجر بينهم والإضراب عن أخبار المؤرخين وجهلة الرواة وضلاّل المبتدعين القادحة في أحد منهم . وأنْ نلتمس ما نقل عنهم من ذلك أحسن التأويلات ونخرج لهم أصوب المخارج،

(1/148)


فنذكر حسناتهم وجميل سيرهم ونسكت عما وراء ذلك فإن الله سبحانه وتعالى أعلم بهم وبما يؤول إليه أمرهم وقد مدحهم في كتابه وأثنى عليهم بقوله: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا } , فكيف يجوز علم الله بذلك ثم يخفيه عن نبيه صلى الله عليه وسلم وعمن بعده من الخلف ؟ فتعالى الله عن ذلك، ومن خطر بباله أنه سبحانه لا يعلم بما سيكون منهم بعد وفاة رسوله صلى الله عليه وسلم فذلك كُفر جليّ فليحذره .
وكذلك ما جرى بين الإمام علي ومعاوية من القتال والخصام ومع ذلك لم يحكم أحد بكفر الآخر والخروج من الإسلام، قال العلماء رحمهم الله: إنّ أمير المؤمنين علي رضي الله عنه اجتهد في الخلافة فأصاب في اجتهاده وكان أحق الناس بها إذْ ذاك، ومعاوية رضي الله عنه اجتهد فأخطأ في اجتهاده ولم يكن مستحقاً للخلافة مع علي كرم الله وجهه، فلو أدركناهم لكنّا مع عليّ على معاوية وفئته الباغية حتى تفئ إلى أمر الله . ولكن سلامتنا في السكوت عن التعرض في أمورهم وعن التفضيل يؤدي إلى التنقيص لقدرهم، فالله أعلم بنياتهم وسرائرهم { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141) } .
***

(1/149)


... س: هل يجوز لعن معاوية وغيره ممن خرج على الإمام علي كرم الله وجهه ؟
ج: اعلم أنّه ليس الخروج على الأئمة عندنا كفراً، فغاية من خرج على الإمام المرتضى من أهل التوحيد أنْ يكون عاصياً والعاصي لا يجوز لعنه معيناً(1)، بل صرَّح العلماء رحمهم الله أنه لا يجوز لعن أحد بعينه إلاّ من عَلِمْنَا موته على الكفر كفرعون أو أنّ رحمة الله لا تناله بحال كإبليس، ومع ذلك فلا فضيلة في لعن من هذا وصفه وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لعن من كان من أهل القبلة (2) ففي الحديث (( لعن الله المؤمن كقتله )) رواه الشيخان، وفيه (( لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه )) رواه أبو داود و الترمذي .

--------------------------------------
(1) و لم ينقل عن أحد من السلف المعتبرين جواز لعن معاوية و أمثاله، إذ كانوا مجتهدين و المجتهد غير آثم و إن أخطأ ، و إنما اختلفوا فيه ابنه يزيد فجوَّز بعضهم إطلاق لعنه لكفره حيث أمر بقتل سيدنا الحسين، ومنعه قوم منهم الغزالي وقال: لم يثبت أنه أمر بقتله.
(2) و لا ينافي ذلك ما نُقِل أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن بعض أهل القبلة لأنه يعلم من أحوالهم ما لا يعلمه غيره .

(1/150)


... س: ما حكم من أبغض الإمام عليّاً كرّم الله وجهه ؟
ج: قال المحققون من العلماء: إن بغض الإمام علي وغيره من الصحابة رضي الله عنهم إن كان من جهة نصرتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحمايتهم لدين الله فهو كفر لا شك فيه ونفاق لا مراء فيه، وعليه يحمل ما ورد من الوعيد بذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: (( حبُّ الأنصار إيمان وبغضهم كفر أو نفاق )), وكقول علي كرم الله وجهه: (( والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنّه لَعهد النبي الأمي إليّ أنّه لاَ يحبني إلاّ مؤمن ولاَ يُبغضني إلاّ منافق )). وأمّا إذا كان بغضهم من غير تلك الجهة بل من أمر طارئ يقتضي المخالفة فلا يحكم على صاحبه بالكفر ولا بالنفاق، وعلى هذا يحمل ما كان من الصحابة بعضهم مع بعض في اختلافهم وحروبهم التي وقعت بينهم .
فيتعين على كل مسلم أن يُحبّ الإمام علي كرم الله وجهه وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته الطاهرين من غير غلوّ ولا مبالغة، كما بالغ بعض شيعة الإمام علي في حبه وتقديسه فرفعوه إلى درجة النبوّة بل إلى ما هو أعلى من النبوّة وَ وضعوا في الأحاديث ما ليس منها، وأدخلوا في معتقداتهم ما هو كفر صريح . كما بالغ بعض أعدائه رضي الله عنه في بغضه حتى لاعنوه على المنابر فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .

(1/151)


وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( يا عليّ أنّ فيك مثلاً من ابن مريم أبغضته اليهود حتى بهتوا أُمّه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه المنزلة التي ليس بها )). و روي عنه كرَّم الله وجهه أنه قال: (( هلَك فيًّ رجلان محِبٌ مُفرِط ومبغض مُفرِط )).

* * *

(1/152)


( تتمة )
سئل المؤلف أطال الله عمره عن السؤال التالي, فأجاب عنه بما يلي :
... س: ما حكم زواج المتعة في الإسلام ؟ وما أقوال العلماء في ذلك ؟
ج: اعلم أنه قد أجمع العلماء وفقهاء الأمصار قاطبة على تحريم نكاح المتعة للأحاديث الصحيحة الصريحة القاطعة بتحريم ذلك، وصرّح صلى الله عليه وسلم بأن تحريمه دائم إلى يوم القيامة كما ثبت في صحيح مسلم من حيث سبرة بن معبد الجهني رضي الله عنه أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، فقال: (( يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإنّ الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة )).
قال علماؤنا: قد كانت المتعة في صدر الإسلام جائزة ثمّ نسخت واستقر على ذلك النهي والتحريم، وكان نسخ ذلك مرتين: الأولى: يوم خيبر كما ثبت في الصحيح، والثانية: يوم فتح مكة كما ثبت في الصحيح أيضاً، وقد كان فيها خلاف في العصر الأول ثمّ ارتفع واجمعوا على تحريمه،

(1/153)


وما ذهب إليه الروافض والشيعة من إباحة ذلك مردود لأنه يصادم النصوص الشرعية من الكتاب والسنة ويخالف إجماع علماء المسلمين والأئمة المجتهدين .
ومن الأحاديث الشريفة الدالة على تحريمه أيضاً ما رواه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ عن الزهري بسنده عن علي كرم الله وجهه (( أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحُمر الأهلية )) (1).
وقد أورد الإمام مسلم في صحيحه ما يزيد على عشرة أحاديث كلها صريحة واضحة في تحريم نكاح المتعة وأن الحرمة هي التي استقرّ عليها الأمر آخِراً، وهذا قول علماء أهل السنة قاطبة . و روى ابن ماجة بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرّم المتعة، فقال: ((يا أيها الناس إني كنت أذنتُ لكم في الاستمتاع ألاَ وإنّ الله قد حرّمها إلى يوم القيامة )).

----------------------------------
(1) هذا ما رواه الإمام علي ابن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و الرواية بطريقة و سنده، فكيف يزعم الشيعة حل نكاح المتعة. و نقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن الإمام الخطابي قال: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة و لا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المختلفات إلى سيدنا علي و أهل بيته ، و قد صحَّ عن سيدنا علي كرَّم الله وجهه أنها نُسِخت.

(1/154)


ونقل البيهقي عن جعفر الصادق بن محمد الباقر أنه سئل عن المتعة فقال: ( هي الزنى بعينه ) . فبطل بذلك كل مزاعم الشيعة .
قال العلماء: قد صرّح الله تعالى في كتابه العزيز أن الوطء لا يحل إلاّ في الزوجة أو المملوكة في قوله: { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } , والمنكوحة متعة ليست زوجة ولا مملوكة، لأنها لو كانت زوجة لحصل التوارث وثبت النسب و وجبت العِدّة وهذه لا تثبت شيئاً من ذلك باتفاق، ولا يقصد به إلاّ قضاء الشهوة دون التناسل والمحافظة على الأولاد التي هي المقاصد الأصلية للزواج فهو شبيه بالزنى من حيث قصد الاستمتاع دون غيره، فمبتغي ذلك إذَن من العادين بنص القرآن: { فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) } أيْ: المتجاوزون الحلال إلى الحرام . والله أعلم .
***
وبالله التوفيق، ونسأله الهداية إلى أقوم طريق، وأنْ يجعلنا من خيار الفريق، اللهمَّ ثبتنا على الحق فيما نقول، و ثبِّتنا على الحقِّ فيما نفعل، و ثبِّتنا على الحق فيما نعتقد، بفضلك وجودك وكرمك وبحق حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، وارزقنا كمال المتابعة له ظاهراً وباطناً في عافية وسلامة برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلَّى الله وسلَّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

(1/155)