{إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱڊرْضِ خَلِيفَةًۖ} قالوا ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً، فعند ذلك قالوا: ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. وثانيها: أنه تعالى كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها وسفكوا الدماء. وثالثها: قال ابن زيد لما خلق الله تعالى النار خافت الملائكة خوفاً شديداً فقالوا: ربنا لمن خلقت هذه النار؟ قال لمن عصاني من خلقي ولم يكن لله يومئذٍ خلق إلا الملائكة ولم يكن في الأرض خلق البتة فلما قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱڊرْضِ خَلِيفَةًۖ} عرفوا أن المعصية تظهر منهم. ورابعها: لما كتب القلم في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك. وخامسها: إذا كان معنى الخليفة من يكون نائباً لله تعالى في الحكم والقضاء، والاحتجاج إلى الحاكم والقاضي إنما يكون عند التنازع والتظالم كان الأخبار عن وجود الخليفة إخباراً عن وقوع الفساد والشر بطريق الالتزام قال أهل التحقيق والقول بأنه كان هذا الأخبار عن مجرد الظن باطل لأنه قدح في الغير بما لا يأمن أن يكون كاذباً فيه، وذلك ينافي العصمة والطهارة. أما الوجه السادس: هو الأخبار التي ذكروها فهي من باب أخبار الآحاد فلا تعارض الدلائل التي ذكرناها.

اسم الكتاب: تفسير الرازي 

   رقم الجزء: 3 

   رقم الصفحة: 383

 

وأعلم تعالى بما أجرى عليه خلقه من القضاء بما ظهر والحكم على الآتي بما مضى حيث أنبأ عن ملائكته بأنهم قضوا على الخليفة في الأرض بحال من تقدمهم في الأرض من الجبلة الأولين من الجن الذين أبقى منهم عزازيل وغيرهم ليتحقق أن أمر الله جديد وأنه كل يوم هو في شأن لا يقضي على آتي وقت بحكم ما فيه ولا بما مضى قبله - انتهى . والأظهر ما ذكرته أنهم إنما قالوا ذلك تفرساً بحكم ما ظهر لهم من صورته ونحو ذلك من إعلامهم بأنه يجمع فيه بين الشهوة والعقل ، ومن المعلوم أن الشهوة حاملة على الفساد؛ وعلم سبحانه ما خفي عنه من أنه يوفق من أراد منهم للعمل بمقتضى العقل مع قيام منازع الشهوة والهوى ، فيأتي غاية الكمال التي هي فوق درجة العامل بمقتضى العقل من غير منازع له فيظهر تمام القدرة والله أعلم .

 

قال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ } [الأنعام: 165] . قال تعالى: { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } [الأنعام: 133] وقال { وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ } [النمل: 62]. وقال { وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ } [الزخرف: 60]. { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة } [ مريم / 59 ، وقوله { عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } [الأعراف : 129] { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } [ الأعراف : 69 ] { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد } [ الأعراف : 74 ] قال تعالى : { فخلف من بعدهم خلف } [ الأعراف / 169 ] { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } [ فاطر / 39 ] ]. ، وقوله { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة : 30]  وقال : { ويستخلف ربي قوما غيركم } [ هود / 57 ] { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض } [ ص / 26 ] { وجعلناهم خلائف } [ يونس / 73 { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (62) } .

 

 

 

 

وقرأ الجمهور: خليفة، بالفاء، ويحتمل أن يكون بمعنى الخالف، ويحتمل أن يكون بمعنى المخلوف، وإذا كان بمعنى الفاعل كان معناه: القائم مقام غيره في الأمر الذي جعل إليه. والخليفة، قيل: هو آدم لأنه خليفة عن الملائكة الذين كانوا في الأرض، أو عن الجن بني الجان، أو عن إبليس في ملك الأرض، أو عن الله تعالى، وهو قول ابن مسعود وابن عباس. والأنبياء هم خلائف الله في أرضه، واقتصر على آدم لأنه أبو الخلائف، كما اقتصر على مضر وتميم وقيس، والمراد القبيلة. وقيل: ولد آدم لأنه يخلف بعضهم بعضاً: إذا هلكت أمة خلفتها أخرى، قاله الحسن، فيكون مفرداً أُريد به الجمع، كما جاء: {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰۤـِٕفَ ٱڊرْضِ} {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱڊرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} . وقيل: الخليفة اسم لكل من انتقل إليه تدبير أهل الأرض والنظر في مصالحهم، كما أن كل من ولى الروم: قيصر، والفرس: كسرى، واليمن: تبع. وفي المستخلف فيه آدم قولان: أحدهما: الحكم بالحق والعدل. الثاني: عمارة الأرض، يزرع ويحصد ويبني ويجري الأنهار. وقرأ زيد بن علي وأبو البرهسم عمران: خليقة، بالقاف ومعناه واضح.

وخطاب الله الملائكة بقوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱڊرْضِ خَلِيفَةًۖ}

اسم الكتاب: تفسير البحر المحيط 

   رقم الجزء: 1 

   رقم الصفحة: 137

 

 

يَظهر أنّ هذا دليل على إمكان البعث، وعلى وقوعه، لأنّ الذي جعل بعض الأجيال خلائف لما سبَقَها، فعمَروا الأرض جيلاً بعد جيل، لا يُعجزه أن يحشرها جميعاً بعد انقضاء عالم حياتها الأولى. ثمّ إنّ الذي دبَّر ذلك وأتقنه لا يليق به أن لا يقيم بينهم ميزان الجزاء على ما صنعوا في الحياة الأولى لئلا يذهب المعتدون والظّالمون فائزين بما جنوا، وإذا كان يقيم ميزان الجزاء على الظّالمين فكيف يترك إثابة المحسنين، وقد أشار إلى الشقّ الأول قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰۤـِٕفَ ٱڊرْضِ} ، وأشار إلى الشقّ الثّاني قوله: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَــٰكُمْۚ} . ولذلك أعقبه بتذييله: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌ رَّحِيمُۢ} .

فالخطابُ موجَّه إلى المشركين الذين أمِر الرّسولُ عليه الصلاة والسلام بأن يقول لهم: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا} (الأنعام: 164)؛ وذلك يذكّر بأنَّهم سيصيرون إلى ما صار إليه أولئك.

209

فموقع هذه عقب قوله: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ} (الأنعام: 164) تذكير بالنّعمة، بعد الإنذار بسلبها، وتحريض على تدارك ما فات، وهو يفتح أعينهم للنّظر في عواقب الأمم وانقراضها وبقائها.

ويجوز أن يكون الخطاب للرّسول عليه الصّلاة والسّلام والأمّة الإسلاميّة، وتكون الإضافة على معنى اللام، أي جعلكم خلائف الأمم التي ملكتْ الأرض فأنتم خلائفُ للأرض، فتكون بشارة للأمّة بأنَّها آخر الأمم المجعولة من الله لتعمير الأرض. والمراد: الأمم ذوات الشّرائع الإلهيّة وأياً ما كان فهو تذكير بعظيم صنع الله ومنّته لاستدعاء الشّكر والتّحذير من الكفر.

والخلائف : جمع خليفة والخليفة : اسم لما يخلف به الشيء أي يجعل خلفا عنه أي عوضه خليفة وخلفة فهو فعيل بمعنى مفعول وظهرت فيه التاء لنهم لما صيروه اسما قطعوه عن موصوفه

 وإضافته إلى الأرض على معنى ( في ) على الوجه الأول وهو كون الخطاب للمشركين أي خلائف فيها أي خلف ربكم أمما مضت قبلكم كما قال تعالى حكاية عن الرسل في مخاطبة أقوامهم : ( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) ( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ) ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) . والإضافة على معنى اللام على الوجه الثاني وهو كون الخطاب للمسلمين

 وفي هذا أيضا تذكير بنعمة تتضمن عبرة وموعضة : وذلك أنه لما جعلهم خلائف غيرهم فقد أنشأكم وأوجدهم على حين أعدم غيرهم فهذه نعمة لأنه لو قدر بقاء الأمم التي قبلهم لما وجدوا هؤلاء

 صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وعطف قوله : ( ورفع بعضكم فوق بعض درجات ) يجري على الاحتمالين في المخاطب بقوله : ( جعلكم خلائف الأرض ) فهو أيضا عبرة وعظة لعدم الاغترار بالقوة والرفعة ولجعل ذلك وسيلة لشكر تلك النعمة والسعي في زيادة الفضل لمن قصر عنها بالضعيف وإنصاف المظلوم

 ولذلك عقبه بقوله : ( ليبلوكم فيما آتاكم ) أي ليخبركم فيما أنعم به عليكم من درجات النعم حتى يظهر للناس كيف يضع أهل النعمة أنفسهم في مواضعها اللائقة بها وهي المعبر عنها بالدرجات

 والدرجات مستعارة لتفاوت النعم . وهي استعارة مبينة على تشبيه المعقول بالمحسوس لتقريبه

 والإيتاء مستعار لتكوين الرفعة في أربابها تشبيها للتكوين بإعطاء المعطي شيئا لغيره

 والبلو : الاخبار وقد تقدم عند قوله تعالى : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ) . والمراد به ظهور موازين العقول في الانتفاع والنفع بمواهب الله وما يسره لها من الملائمات والمساعدات فالله يعلم مراتب الناس ولكن ذلك بلوى لأنها لا تظهر للعيان إلا بعد العمل أي ليعلمه الله علم الواقعات بعد أن كان يعلمه علم المقدرات فهذا موقع لام التعليل وقريب منه قول إياس بن قبيصة الطائي :

اسم الكتاب: التحرير والتنوير 

   رقم الجزء: 8 

   رقم الصفحة: 209

 

 

خلقه، وأهل الصفوة، أهل وداده.

{وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} فيجازي كلاً بحسب عمله، وبما يعلمه من مقصده. وإنما أمر الله العباد بالأعمال الصالحة، ونهاهم عن الأعمال السيئة، رحمة بهم، وقصداً لمصالحهم. وإلا، فهو الغني بذاته، عن جميع مخلوقاته، فلا تنفعه طاعة الطائعين، كما لا تضره معصية العاصين.

{إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} بالإهلاك {وَيَسْتَخْلِفْ مِنۢ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ} .

فإذا عرفتم بأنكم، لا بد أن تنتقلوا من هذه الدار، كما انتقل غيركم، وترحلون منها، وتخلونها لمن بعدكم، كما رحل عنها من قبلكم، وخلوها لكم. فلِمَ اتخذتموها قراراً؟ وتوطنتم بها، ونسيتم أنها دار ممر لا دار مقر. وأن أمامكم داراً، هي الدار التي جمعت كل نعيم وسلمت من كل آفة ونقص؟

اسم الكتاب: تفسير السعدي

 

وحالة الانتفاع: هي المشار إليها بقولـه {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱڊرْضِۗ} أي يجعلكم تعمرون الأرض وتجتنون منافعها، فضمن الخلفاء معنى المالكين فأضيف إلى الأرض على تقدير: مالكين لـها، والملك يستلزم الانتفاع بما ينتفع به منها. وأفاد خلفاء بطريق الإلتزام معنى الوراثة لمن سبق، فكل حي هو خلف عن سلفه. والأمة خلف عن أمة كانت قبلـها جيلاً بعد جيل. وهذا كقولـه تعالى حكاية لقول نوح {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱڊرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (هود: 61). وهذه مرتبة التحسيني.

وقد جمعت الآية الإشارة إلى مراتب المناسب وهو ما يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً وهو من مسالك العلة في أصول الفقه.

ولما اقتضته الخلافة من تجدد الأبناء عقب الآباء والأجيال بعد الأجيال، وما

15

اقتضته الاستجابة وكشف السوء من كثرة الداعين والمستائين عبر في أفعال الجعل التي تعلقت بها بصيغة المضارع الدال على التجدد بخلاف أفعال الجعل الأربعة التي في الآية قبلـها.

ثم استؤنف عقب هذا الاستدلال باستفهام إنكاري تكريراً لما تقدم عقب الأدلة السابقة زيادة في تعداد خطئهم بقولـه {أَءِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيڕ مَّا تَذَكَّرُونَ} .

وانتصب {قَلِيڕ} على الحال من ضمير الخطاب في قولـه {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱڊرْضِۗ} أي فعل ذلك لكم وأنتم في حال قلة تذكركم، فتفيد الحال معنى التعجب من حالـهم.

والتذكر: من الذُّكر بضم الذال وهو ضد النسيان فهو استحضار المعلوم، أي قليلاً استحضاركم الافتقار إلى اللـه وما أنتم فيه من إنعامه فتهتدوا بأنه الحقيق بأن لا تشركوا معه غيره. فالمقصود من التذكر التذكر المفيد استدلالاً. و{مَا} مصدرية والمصدر هو فاعل {قَلِيڕ} .

والقليل هنامكنّى به عن المعدوم لأن التذكر المقصود معدوم منهم، والكناية بالقليل عن المعدوم مستعملة ف

اسم الكتاب: التحرير والتنوير 

   رقم الجزء: 20 

   رقم الصفحة: 14

 

والشهوات جمع شهوة، وهي ما يغلب على

226

النفس محبته وهواه. ولما كانت التكاليف الشرعية فيها قمع النفس وردها عن مشتهياتها، كان اتباع شهواتها سبباً لكل مذمّة، وعبر عن الكافر والفاسق بمتبع الشهوات كما قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا۴ ٱلصَّلَـوٰةَ وَٱتَّبَعُوا۴ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} واتباع الشهوة في كل حال مذموم، لأن ذلك ائتمار لـها من حيث ما دعته الشهوة إليه. أما إذا كان الاتباع من حيث العقل أو الشرع فذلك هو اتباع لـهما لا للشهوة. ومتبعو الشهوات هنا هم الزناة قالـه: مجاهد. أو اليهود والنصارى قالـه: السدي. أو اليهود خاصة لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب، أو المجو كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب، ونكاح بنات الأخ، وبنات الأخت، فلما حرّمهنّ اللـه قالوا: فإنكم تحلون بنت الخالة والعمة، والعمة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت، أو متبعو كل شهوة قالـه: ابن زيد، ورجحه الطبري. وظاهره العموم والميل، وإن كان مطلقاً فالمراد هنا الميل عن الحق، وهو الجور والخروج عن قصد السبيل. ولذلك قابل إرادة اللـه بإرادة متبعي الشهوات، وشتان ما بين الإرادتين. وأكد فعل الميل بالمصدر على سبيل المبالغة، لم يكتف حتى وصفه بالعظم. وذلك أن الميول قد تختلف، فقد يترك الإنسان فعل الخير لعارض شغل أو لكسل أو لفسق يستلذ به، أو لضلالة بأن يسبق لـه سوء اعتقاد. ويتفاوت رتب معالجة هذه الأشياء، فبعضها أسهل من بعض، فوصف مثل هؤلاء بالعظم، إذ هو أبعد الميول معالجة وهو الكفر. كما قال تعالى: {وَدُّوا۴ لَوْ تَكْفُرُونَ} {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۴ ٱلسَّبِيلَ} .

اسم الكتاب: تفسير البحر المحيط 

   رقم الجزء: 3 

   رقم الصفحة: 192

 

قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱڊرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}

368

هذا رجاء من نبي الله موسى عليه السلام ومثله من الأنبياء يقوي قلوب أتباعهم فيصبرون إلى وقوع متعلق الرّجاء ولا تنافي بين هذا الرجاء وبين قوله {وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} من حيث إن الرجاء غير مقطوع بحصول متعلّقة والأخبار بأنّ العاقبة للمتقين واقع لا محالة لأن العاقبة إن كانت في الآخرة فظاهر جدّاً عدم التنافي وإن كانت في الدنيا فليس فيها تصريح بعاقبة هؤلاء القوم المخصوصين فسلك موسى طريق الأدب مع الله وساق الكلام مساق الرجاء، وقال التبريزي يحتمل أن يكون قد أوحى بذلك إلى موسى فعسى للتحقيق أو لم يوح فيكون على الترجي منه، قال الزمخشري: تصريح بما رمز إليه من البشارة قبل وكشف عنه وهو إهلاك فرعون واستخلافهم بعده في أرض مصر، وقال ابن عطية واستعطاف موسى لهم بقوله {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} ووعده لهم بالاستخلاف في الأرض يدلّ على أنه يستدعي نفوساً نافرة ويقوي هذا الظن في جهة بني إسرائيل وسلوكهم هذا السبيل في غير قصة والأرض هنا أرض مصر قاله ابن عباس وقد حقّق الله هذا الرجاء بوقوع متعلقة فأغرق فرعون وملكهم مصر ومات داود وسليمان، وقيل: أرض الشام فقد فتحوا بيت المقدس مع يوشع وملكوا الشام ومات داود وسليمان ومعنى {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} أي في استخلافكم من الإصلاح والإفساد وهي جملة تجري مجرى البعث والتحريض على طاعة الله تعالى وفي الحديث «أن الدنيا حلوة خضرة وأن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون»، وقال الزمخشري: فيرى الكائن منكم من العمل حسنة وقبيحة وشكر النعمة وكفرانها ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم انتهى،

اسم الكتاب: تفسير البحر المحيط 

   رقم الجزء: 4 

   رقم الصفحة: 362

 

{وَٱذْكُرُوۤا۴ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} (الأعراف: 69).

واعلم أن الكلام في الخلفاء والخلائف والخليفة قد مضى في مواضع، والمقصود منه أن تذكر النعم العظيمة يوجب الرغبة والمحبة وزوال النفرة والعداوة، وقد ذكر هود عليه السلام ههنا نوعين من الأنعام: الأول: أنه تعالى جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح، وذلك بأن أورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وما يتصل بها من المنافع والمصالح

اسم الكتاب: تفسير الرازي 

   رقم الجزء: 14 

   رقم الصفحة: 302