تشريح جثث الموتى

 

المفتي

 عطية صقر .

مايو 1997

 

المبادئ

القرآن والسنة

 

السؤال

 ما حكم تشريح جثث الموتى لتحقيق الجناية أو التعليم ؟

 

الجواب

 ورد عن جابر رضى اللَّه عنه أنه قال : خرجنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى جنازة فجلس النبى على شفير القبر وجلسنا معه ، فأخرج الحفار عظما - ساقا أو عضوا - فذهب ليكسره ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم "لا تكسرها ، فإن كسرك إياه ميتا ككسرك إياه حيا ، ولكن دسه فى جانب القبر" هذا الحديث رواه مالك وابن ماجه وأبو داود بإسناد صحيح ما عدا رجلا واحدا هو سعد الأنصارى ، فقد ضعفه أحمد ، ولكن وثقه الأكثر ون وروى له مسلم ، وهو كاف فى الاحتجاج بالحديث .

لم يرد فى نصوص الدين ما يتصل بتشريح جثة الميت مباشرة، والمسألة اجتهادية بين الفقهاء الذين اعتمدوا على هذا الحديث ، حين تحدثت كتبهم عن حكم شق بطن الميت إن كان فيه مال ، وشق بطن الميتة الحامل لإخراج الجنين منه .

وقد جاء فى فتوى صادرة من دار الإفتاء المصرية فى 31 من أكتوبر سنة 1937م (المفتى الشيخ عبد المجيد سليم - الفتاوى الإسلامية - المجلد الرابع ص 1331.) بالنسبة لشق البطن إن كان فيه مال : أن علماء الحنفية أجازوا شقه إذا كان المال لغيره ولم يترك الميت مالا يعطى لصاحبه ، لأن حق الآدمى مقدم على حق اللّه تعالى، ومقدم على حق الظالم المعتدى ، وقد زالت حرمة هذا الظالم بتعديه على مال غيره .

أما مذهب الشافعى فالمشهور للأصحاب إطلاق الشق حينئذ - يعنى جوازه -من غير تفصيل إن كان المال لغيره وطلبه ، وقال بعضهم : يشق بطنه إذا لم يضمن الورثة مثله أو قيمته ، وهناك وجه بجواز الشق إن بلع جوهرة لنفسه ، والخلاصة أن عند الشافعية رأيا بالشق مطلقا ، وعن سحنون المالكى يجوز الشق مطلقا من أجل المال ، ومنعه أحمد .

وبالنسبة لشق بطن الميتة لإخراج الجنين ، أجازه الحنفية إن علم أن الولد حى، لأن الشق وإن كان فيه إبطال لحرمة الميت ففيه صيانة لحرمة الحى وهو الولد ، وأجازه الشافعية إن كان يرجى حياة الجنين بعد إخراجه ، ومنعه المالكية والحنابلة . ثم قال المفتى :

والذى يقتضيه النظر الدقيق فى قواعد الشريعة وروحها أنه إذا كانت هناك مصلحة راجحة فى شق البطن وتشريح الجثة، من إثبات حق القتيل لدى المتهم ،أو تبرئة المتهم من تهمة القتل بالسم مثلا أنه يجوز الشق والتشريح . والحديث المذكور فى عدم كسر عظم الميت يحمل على ما إذا لم تكن هناك مصلحة راجحة أو حاجة ماسة ، فقواعد الدين الإسلامى مبنية على رعاية المصالح الراجحة وتحمل الضرر الأخف لجلب مصلحة يكون تفويتها أشد من هذا الضرر .

ومثل هذه الفتوى جاء فى الفتوى الصادرة فى 23 من أكتوبر سنة 1966 م (المفتى الشيخ أحمد هريدى - الفتاوى الإسلامية - المجلد السادس ص 2278.) وكذلك فى الفتوى الصادرة في 5 من ديسمبر سنة 1979 م (المفتى الشيخ جاد الحق على جاد الحق - الفتاوى الإسلامية - المجلد العاشر ص 3705-3707.) التى جاء فيها ما نصه : أن فقه مذهبى الإمامين أبى حنيفة والشافعى يجيزان شق بطن الميت ، سواء لاستخراج جنين حى أو لاستخراج مال ، وأن فقه مذهبى مالك وأحمد بن حنبل الشق فى المال دون الجنين ، والذى اختاره فى هذا الموضوع هو ما ذهب إليه فقهاء الحنفية والشافعية، من جواز شق بطن الميت لمصلحة راجحة سواء كانت لاستخراج جنين حى أو مال للميت أو لغيره إذا كان ذا قيمة معتد بها عرفا ينتفع بها الورثة أو تقضى ديونه . اهـ .

هذا فى التشريح لتحقيق جناية أو استخراج مال أو جنين ، بناء على المصلحة الراجحة ، فهل التشريح الذى يمارس فى كليات الطب للتعليم فيه مصلحة راجحة على صيانة حرمة الميت ؟ جاء فى فتوى للشيخ يوسف الدجوى منشورة فى مجلة الأزهر، المجلد السادس ص 472 ، ما بشير إلى جوازه بالقياس الأولوى على جواز التشريح للمال ولو كان قليلا كما رآه بعض الفقهاء ، وقال ما نصه : فضلا عما فى التشريح من تقدم العلم الذى تنتفع به الإنسانية كلها ، وينقذ كثيرا ممن أشفى على الهلكة أو أحاطت به الآلام من كل نواحيه ، فهو يأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت . ثم قال مستدركا : غير أنا نرى أنه لابد من الاحتياط فى ذلك حتى لا يتوسع فيه الناس بلا مبالاة ، فليقتصر فيه على قدر الضرورة . وقال فى ص 578 :

إنا نرى من الإخلاص للدين والعلم أن نقول : إن مثل هذه المسألة محل اجتهاد يصح أن تختلف فيه الأنظار، وإذا رجحنا شيئا فإننا نكتب عن رأينا أو رأى فريق من علمائنا ، والخير كله فى التوسط والاعتدال ، والشر كله فى الإفراط والتفريط .

ولم يوافقه الشيخ محمد بخيت المطيعى على ذلك ، فبعد أن ذكر المسائل التى يجوز فيها شق بطن الميت نقلا عن كتب المذاهب التى تحدثت عن إخراج الجنين والمال -قال : وبناء على ذلك فلا يجوز شق بطن أى ميت كان إلا فى المواد المتقدمة ، وأن التشريح الذى من لوازمه شق البطن بلا سبب سوى بحث الأعضاء ومعرفة وظائفها وما بها من الأمراض فهذا لا يسوغ ولا يجيز فتح بطن الإنسان بعد موته .

ويمكن الوقوف على وظائف الأعضاء بواسطة فتح بطن حيوان آخر غير الإنسان ، لأن كل الحيوانات متساوية فى وظائف الأعضاء الحيوانية . ثم قال : ومن هنا يعلم أن التشريح الذى من لوازمه فتح البطن كما قلنا لا يجوز. نعم فتح البطن لأجل العلاج الطبى يجوز ، لأنه للمحافظة على الحياة فلا إهانة فيه (مجلة الأزهر - المجلد السادس ص 631 ، 632.) .

وجاء فى فتوى للشيخ جاد الحق على جاد الحق ، عن نقل الأعضاء : أن الميت إذا جهلت شخصيته أو عرفت وجهل أهله يجوز أخذ جزء من جسده نقلا لإنسان حى آخر يستفيد به فى علاجه ، أو تركه لتعليم طلاب كليات الطب ، لأن فى كل ذلك مصلحة راجحة تعلو على الحفاظ على حرمة الميت (الفتاوى الإسلامية - المجلد العاشر ص 3714 .). .

من هذا بمكن أن نقول : إن التشريح من أجل التعلم والتعليم محل خلاف بين العلماء ومن أجازه قال : لا يصار إليه إلا عند الضرورة وفى أضيق الحدود ، ولو أمكنت الدراسة على حيوانات مماثلة لكان أولى ، وكذلك لو أمكن الاستغناء عن التشريح بالنماذج المصنوعة-وهى دقيقة إلى حد كبير-فلا يجوز اللجوء إلى جثة الآدمى

فتاوى الأزهار / 8 / 301

 

السؤال :

ألا يعتبر تشريح الجثة لمعرفة سبب الوفاة اعتداء على حرمة الميت؟

الفتوى :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن جسم الإنسان محترم بعد موته كاحترامه قبل موته. روى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا قالت: كسر عظم الميت ككسره حيا. وفي صحيح مسلم عن مرثد بن أبي مرثد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا عليها. فهذه النصوص تدل بوضوح على احترام جثة الميت وأنه لا يجوز الاعتداء عليها. ومع هذا فقواعد الشريعة تقتضي جلب المصالح وزيادتها، ودرء المفاسد وتقليلها، وقد أجاز العلماء شق بطن الحامل الميتة لا ستخراج جنينها، وأجازوا تقطيع الجنين لإنقاذ أمه، ومنهم من أجاز أكل الميت للمضطر. وأباح العلماء المحدثون تشريح جثة الميت للأغراض التعليمية. وبناء على هذا فإذا توقفت معرفة سبب الوفاة على تشريح جثة الميت فلا مانع من التشريح إذا تعلقت بذلك مصلحة راجحة نحو اكتشاف القاتل أو الاستفادة في علاج مرض معين أو غير ذلك، لأن المصلحة في هذا أرجح من المصلحة في الإبقاء على الجثة غير مشرحة.

والله أعلم.

فتاوى الشبكة الإسلامية / 37 / 5