سِمْطُ الدُّرَرْ

في أخْبَارِ مَوْلِدِ خَيْرِ البَشَر وَمَالهُ مِنْ أخْلاَقٍ وَأوْصَافٍ وَسِيَرٍ

 

بِسْمِ اللهِ اَلْرَّحمَنِ اَلْرَّحِيْمِ

يَاْرَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = مَاَ لاحَ في الأفْقِ نُورُ كَوْكَبْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = الفَاتِحِ الخَاتِمِ المُقَرَّبْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = المُصْطَفَى المُجْتَبَى المُحَبَّبْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = مَا لاحَ بَدْرٌ وَغَابَ غَيْهَبْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = مَا رِيحُ نَصْرٍ بالنَّصْرِ قَدْ هَبْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = مَا سَارَتِ العِيسُ بَطْنَ سَبْسَبْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = وَكُلِّ مَنْ للحَبِيبِ يَصْحَبْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ واغْفِرْ وسَامِحْ مَنْ كَانَ أذْنَبْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = وَبلِّغِ الكُلَّ كُلَّ مَطْلَبْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = وَاسْلُكْ بِنَا رَبِّ خَيْرَ مَذْهَبْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = وَاصْلِحْ وَسَهِّلْ مَا قَدْ تَصَعَّبْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = أعْلَى البَرَايا جَاهَاً وَأرْحَبْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = أصْدَقِ عَبْدٍ بِالحَقِّ أعْرَبْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = خَيْرِ الوَرَى مَنْهَجَاً وَأصْوَبْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = مَا طَيْرُ يُمْنٍ غَنَّى وَأطْرَبْ

 

الصلاة الثانية

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = أشْرَفِ بَدْرٍ في الكَوْنِ أشْرَقْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = أكْرَمِ دَاعٍ يَدْعُو إلى الحَقْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = المُصْطَفَى الصَّادِقِ المُصَدَّقْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = أحْلى الوَرَى مَنْطِقَاً وَأصْدَقْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = أفْضَلِ مَنْ بِالتُّقى تَحَقَّقْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = مَنْ بالسَّخَا وَالوَفَا تَخَلَّقْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = وَاجْمَعْ مِنْ الشَّمْلِ مَا تَفَرَّقْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = وَاصْلِحْ وَسَهِّل مَا قَدْ تَعَوَّقْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = وَافْتَحْ مِنْ الخَيْرِ كُلَّ مُغْلَقْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = وَآلِهِ وَمَنْ بالنَّبِيْ تَعَلَّقْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = وَآلِهِ وَمَنْ لِلْحَبِيبِ يَعْشَقْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = وَمَنْ بِحَبْلِ النَّبِيِّ توثق

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = يارَبِّ صَلِّ عَليْهِ وَسَلِّمْ

 

الصلاة الثالثة

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = مَا لاحَ في الأُفْقِ لَمْعُ بَارِقْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = خَيْرِ الوَرى أشْرَفِ الخَلايِقْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = أصْدَقِ عَبْدِ بِالحَقِّ نَاطِقْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = أبْهَرِ نُورٍ في الكَوْنِ شَارِقْ

يارَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدْ = يَارَبِّ صَلِّ عَليْهِ وَسَلِّمْ

 

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمْ

   الحمْدُ للهِ القَوِيِّ سُلْطَانٌهْ * الوَاضِح ِبُرْهَانُهْ * المَبْسُوطِ في الوُجُودِ كَرَمُهُ وَإحْسَانُهْ * تَعَالى مَجْدُهُ وعَظُمَ شَانُهْ * خَلَقَ الخَلْقَ لِحِكْمَة * وَطَوَى عَليْهَا عِلْمَهْ * وَبَسَطَ لَهُمْ مِنْ فَائِضِ الِمَّنةِ مَا جَرَتْ بِهِ في أقْدَارِهِ القِسْمَة * فَأرْسَلَ إليْهِمْ أشْرَفَ خَلْقِهِ وَأجَلَّ عَبِيدِهِ رَحْمَة * تَعَلَّقَتْ إرَادَتُهُ الأزَلِيَّةُ بِخَلْقِ هَذَا العَبْدِ المَحْبوبْ * فانْتَشَرَتْ آثَارُ شَرَفِهِ في عَوَالِمِ الشَّهَادَةِ وَالغُيُوبْ * فَمَا أجَلَّ هَذا المَنَّ الَّذِي تَكَرَّمَ بِهِ المَنَّانْ * وَمَا أعْظَمَ هَذا الفَضْلَ الَّذِي بَرَزَ مِنْ حَضْرَةِ الإِحْسَانْ * صُورَةً كَامِلَةً ظَهَرَتْ في هَيْكَلٍ مَحْمُودْ * فَتَعَطَّرَتْ بِوُجُودِهَا أكْنَافُ الوُجُودْ * وَطَرَّزَتْ بُرْدَ العَوَالِمِ بِطِرَازِ التَّكْريمْ *

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم أشْرَفَ الصَّلاةِ والتَّسْليم

عَلى سَيِّدنا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الرَّؤوفِ الرَّحِيم

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عَلَيْه

 

    تَجَلَّى الحَقُّ في عَالمَِ قُدْسِهِ الوَاسِعْ * تَجَلِّياً قَضَى بِانْتِشَارِ فَضْلِهِ في القَرِيبِ وَالشَّاسِعْ * فَلَهُ الحَمْدُ الَّذِي لا تَنْحَصِرُ أفْرادُهُ بِتَعْدَادْ * وَلا يُمَلُّ تَكْرَارُهُ بِكَثْرَةِ تَرْدَادْ * حَيْثُ أبْرَزَ مِنْ عَالَمِ الإمْكَانْ * صُورَةَ هَذَا الإنْسَانْ * لِيَتَشَرَّفَ بِوُجُودِهِ الثَّقَلانْ * وَتَنْتَشِرَ أسْرَارُهُ في الأكْوَانْ * فَمَا مِنْ سِرٍّ اتَّصَلَ بِهِ قَلْبُ مُنِيبْ * إلاَّ مِنْ سَوَابِغِ فَضْلِ اللهِ عَلى هَذَا الحَبِيبْ *

يَا لِقَلْبٍ سُرُورُهُ قَدْ تَوَالى = بِحَبِيبٍ عَمَّ الأنَامَ نَوَالاَ

جَلَّ مَنْ شَرَّفَ الوُجُودَ بِنُورٍ = غَمَرَ الكَوْنَ بَهْجَةً وَجَمَالاَ

قَدْ تَرَقّى في الحُسْنِ أعْلَى مَقَامٍ = وَتَنَاهَى في مَجْدِهِ وَتَعَالى

لاحَظَتْهُ العُيُونُ فِيمَا اجْتَلَتْهُ = بَشَرَاً كَامِلاً يُزِيحُ الضَّلالاَ

وَهْوَ مِنْ فَوْقِ عِلْمِ مَا قَدْ رَأتْهُ = رِفْعَةً في شُؤُونِهِ وَكَمَالاَ

فَسُبْحَانَ الَّذِي أبْرَزَ مِنْ حَضْرَةِ الإمْتِنَانْ * مَا يَعْجِزُ عَنْ وَصْفِهِ اللِّسَانْ * وَيَحَارُ في تَعَقُّلِ مَعَانِيهِ الجَنَانْ * انْتَشَرَ مِنْهُ في عَالَمِ البُطُونِ وَالظُّهُورْ * مَا مَلأَ الوُجُودَ الخَلْقِيَّ نُورْ * فَتَبَارَكَ اللهُ مِنْ إلَهٍ كَرِيمٍ * بَشَّرَتْنَا آيَاتُهُ في الذِّكْرِ الحَكِيمْ * بِبِشَارَةِ { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ * عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيم} * فَمَنْ فَاجَأتْهُ هَذِهِ البِشَارَةُ وَتَلَقَّاهَا بِقَلْبٍ سَلِيمْ * فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمْ *

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم أشْرَفَ الصَّلاةِ والتَّسْليم

عَلى سَيِّدنا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الرَّؤوفِ الرَّحِيم

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عَلَيْه

 

     وَأشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً تُعْرِبُ بِهَا اللِّسَانْ * عَمَّا تَضَمَّنَهُ الجَنَانْ * مِنْ التَّصْدِيقِ بِهَا وَالإذْعَانْ * تَثْبُتُ بِهَا في الصُّدُورِ مِنَ الإيمَانِ قَوَاعِدُهْ * وَتَلُوحُ عَلَى أهْلِ اليَقِينِ مِنْ سِرِّ ذَلِكَ الإذْعَانِ وَالتَّصْدِيقِ شَوَاهِدُهْ * وَأشْهَدُ أنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً العَبْدَ الصَّادِقَ في قَوْلِهِ وَفِعْلِهْ * وَالمُبَلِّغِ عَنِ اللهِ مَا أمَرَهُ بِتَبْلِيغِهِ لِخَلْقِهِ مِنْ فَرْضِهِ وَنَفْلِهْ * عَبْدٌ أرْسَلَهُ اللهُ لِلْعَالَمِينَ بَشِيراً وَنَذِيراً * فَبَلَّغَ الرِّسَالَة * وَأدَّى الأمَانَة * وَهَدَى اللهُ بِهِ مِنَ الأمُةِّ بَشَراً كَثِيراً * فَكَانَ في ظُلْمَةِ الجَهْلِ لِلْمُتْسَبْصِرِينَ سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً * فَمَا أعْظَمَهَا مِنْ مِنَّةٍ تَكَرَّمَ اللهُ بِهَا عَلَى البَشَرْ * وَمَا أوْسَعَهَا مِنْ نِعْمَةٍ انْتَشَرَ سِرُّهَا في البَحْرِ وَالبَرْ * اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ بِأجَلِّ الصَّلَوَاتِ وَأجْمَعِهَا وَأزْكَى التَّحِيَّاتِ وَأوْسَعِهَا * عَلَى هَذَا العَبْدِ الَّذِي وَفَّى بِحَقِّ العُبُودِيَّة * وَبَرَزَ فِيهَا في خِلْعَةِ الكَمَالْ * وَقَامَ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ في مَوَاطِنِ الخِدْمَةِ للهِ وَأقْبَلَ عَلَيْهِ غَايَةَ الإقْبَالْ * صَلاةً يَتَّصِلُ بِهَا رُوحُ المُصَلِّي عَلَيْهِ بِهْ * فَيَنْبَسِطُ في قَلْبِهِ نُورُ سِرِّ تَعَلُّقِهِ بِهِ وَحُبِّهْ * وَيُكْتَبُ بِهَا بِعِنَايَةِ اللهِ في حِزْبِهْ * وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ ارْتَقَوْا صَهْوَةَ المَجْدِ بِقُرْبِهْ * وَتَفَيَّأوا ظِلالَ الشَّرَفِ الأصْلِيِّ بِوُدِّهِ وَحُبِّهْ * مَا عَطَّرَ الأكْوَانَ بِنَشْرِ ذِكْرَاهُمْ نَسِيمْ *

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم أشْرَفَ الصَّلاةِ والتَّسْليم

عَلى سَيِّدنا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الرَّؤوفِ الرَّحِيم

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عَلَيْه

 

     (أمَّا بَعْدُ) فَلَمَّا تَعَلَّقَتْ إرَادَةُ اللهِ في العِلْمِ القَدِيمْ * بِظُهُورِ أسْرَارِ التَّخْصِيصِ لِلْبَشَرِ الكَرِيمْ * بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّكْرِيمْ * نَفَذَتِ القُدْرَةُ البَاهِرَةْ * بِالنِّعْمَةِ الوَاسِعَةِ وَالمِنَّةِ الغَامِرَة * فَانْفَلَقَتْ بَيْضَةُ التَّصْوِيرْ * في العَالَمِ المُطْلَقِ الكَبِيرْ * عَنْ جَمَالٍ مَشْهُودٍ بِالعَيْنْ * حَاوٍ لِوَصْفِ الكَمَالِ المُطْلَقِ وَالحُسْنِ التَّامِ وَالزَّيْن * فَتَنَقَّلَ ذَلِكَ الجَمَالُ المَيْمُونْ * في الأصْلابِ الكَرِيمَةِ وَالبُطُونْ * فَمَا مِنْ صُلْبٍ ضَمَّهْ * إلاَّ وَتَمَّتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ النِّعْمَةْ * فَهُوَ القَمَرُ التَّامُّ الَّذِي يَتَنَقَّلُ في بُرُوجِهِ * لِيَتَشَرَّفَ بِهِ مَوْطِنُ اسْتِقْرَارِهِ وَمَوْضِعُ خُرُوجِهْ * وَقَدْ قَضَتِ الأقْدَارُ الأزَلِيَّةُ بِمَا قَضَتْ وَأظْهَرَتْ مِنْ سِرِّ هَذَا النُّورِ مَا أظْهَرَتْ * وَخَصَّصَتْ بِهِ مَنْ خَصَّصَتْ * فَكَانَ مُسْتَقَرُّهُ في الأصْلابِ الفَاخِرَةْ * وَالأرْحَامِ الشَّرِيفَةِ الطَّاهِرَةْ * حَتَّى بَرَزَ في عَالَمِ الشَّهَادَةِ بَشَراً لا كَالْبَشَرْ * وَنُوراً حَيَّرَ الأفْكَارَ ظُهُورُهُ وَبَهَرْ * فَتَعَلَّقَتْ هِمَّةُ الرَّاقِمِ لِهَذِهِ الحُرُوفْ * بِأنْ يَرْقُمَ في هَذَا القِرْطَاسِ مَا هُوَ لَدَيْهِ مِنْ عَجَائِبِ ذَلِكَ النُّورِ مَعْرُوفْ * وَإنْ كَانَتِ الألْسُنُ لا تَفِي بِعُشْرِ مِعْشَارِ أوْصَافِ ذَلِكَ المَوْصُوفْ * تَشْوِيقاً لِلسَّامِعِينْ * مِنْ خَوَاصِّ المُؤْمِنِينْ * وَتَرْوِيحاً لِلْمُتَعَلِّقِينَ بِهَذَا النُّورِ المُبِينْ * وَإلاَّ فَأنَّى تُعْرِبُ الأقْلامْ * عَنْ شُؤُونِ خَيْرِ الأنَامْ * ولكِنْ هَزَّنِيْ إلى تَدْوِينِ مَا حَفِظْتُهُ مِنْ سِيَرِ أشْرَفِ المَخْلُوقِينْ * وَمَا أكْرَمَهُ اللهُ بِهِ في مَوْلِدِهِ مِنَ الفَضْلِ الَّذِي عَمَّ العَالَمِين * وَبَقِيَتْ رَايَتُهُ في الكَوْنِ مَنْشُورَةً عَلَى مَرِّ الأيَّامِ وَالشُّهُورِ وَالسِّنِينْ * دَاعِيْ التَّعَلُّقِ بِهَذِهِ الحَضْرَةِ الكَرِيمَةْ * وَلاَعِجُ التَّشَوُّقِ إلى سَمَاعِ أوْصَافِهَا العَظِيمَةْ * وَلَعَلَّ اللهَ يَنْفَعُ بِهَا المُتَكَلِّمَ وَالسَّامِعْ * فَيَدْخُلانِ في شَفَاعَةِ هَذَا النَّبِيِّ الشَّافِعْ * وَيَتَرَوَّحَانِ بِرَوْحِ ذَلِكَ النَّعِيمْ *

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم أشْرَفَ الصَّلاةِ والتَّسْليم

عَلى سَيِّدنا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الرَّؤوفِ الرَّحِيم

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عَلَيْه

 

      وَقَدْ آنَ لِلْقَلَمِ أنْ يَخُطَّ مَا حَرَّكَتْهُ فِيهِ الأنَامِلْ * مِمَّا اسْتَفَادَهُ الفَهْمُ مِنْ صِفَاتِ هَذَا العَبْدِ المَحْـبُوبِ الكَامِلْ * وَشَمَائِلِهِ الَّتِي هِيَ أحْسَنُ الشَّمَائِلْ * وَهُنَا حَسُنَ أنْ نُثْبِتَ مَا بَلَغَ إلَيْنَا في شَأْنِ هَذَا الحَبِيبِ مِنْ أخْبَارٍ وَآثَارْ * لِيَتَشَرَّفَ بِكِتَابَتِهِ القَلَمُ وَالقِرْطَاسُ وَتَتَنَزَّهَ في حَدَائِقِهِ الأسْمَاعُ وَالأبْصَارْ * وَقَدْ بَلَغَنَا في الأحَادِيثِ المَشْهُورَة * أنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ هُوَ النُّورُ المُوْدَعُ في هَذِهِ الصُّورَة * فَنُورُ هَذَا الحَبِيبِ أوَّلُ مَخْلُوقٍ بَرَزَ في العَالَمِ * وَمِنْهُ تَفَرَّعَ الوُجُودُ خَلْقاً بَعْدَ خَلْقٍ فِيْمَا حَدَثَ وَمَا تَقَادَمْ * وَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ – قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ بِأبِيْ وَأمِّيْ أخْبِرْنِي عَنْ أوَّلِ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ قَبْلَ الأشْيَاءْ * قَالَ { يَا جَابِرُ إنَّ اللهَ  خَلَقَ قَبْلَ الأشْيَاءِ نُورَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ مِنْ نُورِه } * وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّهُ قَالْ * قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ { كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وَآخِرَهُمْ في البَعْثْ } * وَقَدْ تَعَدَّدَتِ الرِّوَايَاتُ بِأنَّهُ أوَّلُ الخَلْقِ وُجُوداً وَأشْرَفَهُمْ مَوْلُوداً * وَلَمَّا كَانَتِ السَّعَادَةُ الأبَدِيَّة * لَهَا مُلاحَظَةٌ خَفِيَّة * اخْتَصَّتْ مَنْ شَاءَتْ مِنَ البَرِيَّة * بِكَمَالِ الخُصُوصِيَّة * فَاسْتَوْدَعَتْ هَذَا النُّورَ المُبِينْ * أصْلابَ وَبُطُونَ مَنْ شَرَّفَتْهُ مِنَ العَالَمِينْ * فَتَنَقَّلَ هَذَا النُّورُ مِنْ صُلْبِ آدَمَ وَنُوحٍ وَإبْرَاهِيمْ * حَتَّى أوْصَلَتْهُ يَدُ العِلْمِ القَدِيمْ * إلى مَنْ خَصَّصَتْهُ بِالتَّكْرِيمْ أبِيِهِ الكَرَيمْ * عَبِدِ اللهِ ابْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ذِي القَدْرِ العَظِيمْ * وَأُمِّهِ الَّتِي هِيَ في المَخَاوِفِ آمِنَة * السَّيِّدَةِ الكَرِيمَةِ آمِنَة * فَتَلَقَّاهُ صُلْبُ عَبْدِ اللهِ فَألقَاهُ إلى بَطْنِهَا * فَضَمَّتْهُ أحْشَاؤُهَا بِمَعُونَةِ اللهِ مُحَافَظَةً عَلى حَقِّ هَذِهِ الدُّرَةِ وَصَوْنِهَا * فَحَمَلَتْهُ بِرِعَايَةِ اللهِ كَمَا وَرَدَ عَنْهَا حَمْلاً خَفِيفاً لا تَجِدُ لَهُ ثِقَلاً * وَلا تَشْكُو مِنْهُ ألَماً وَلا عِلَلاً * حَتَّى مَرَّ الشَّهْرُ بَعْدَ الشَّهْرِ مِنْ حَمْلِهْ * وَقَرُبَ وَقْتُ بُرُوزِهِ إلى عَالَمِ الشَّهَادَةِ لِتَنْبَسِطَ عَلَى أهْلِ هَذَا العَالَمِ فُيُوضَاتُ فَضْلِهْ * وَتَنْتَشِرَ فِيهِ آثَارُ مَجْدِهِ الصَّمِيمْ *

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم أشْرَفَ الصَّلاةِ والتَّسْليم

عَلى سَيِّدنا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الرَّؤوفِ الرَّحِيم

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عَلَيْه

 

    وَمُنْذُ عَلِقَتْ بِهِ هَذِهِ الدُّرَّةُ المَكْنُونَة * وَالجَوْهَرَةُ المَصُونَة * وَالْكَوْنُ كُلُّهُ يُصْبِحُ وَيُمْسِي في سُرُورٍ وَابْتِهَاجْ * بِقُرْبِ ظُهُورِ إشْرَاقِ هَذَا السِّرَاجْ * وَالْعُيُونُ مُتَشَوِّفَةٌ إلى بُرُوزِهْ * مُتَشَوِّقَةٌ إلى الْتِقَاطِ جَوَاهِرِ كُنُوزِهْ * وَكُلُّ دَابَّةٍ لِقُرَيْشٍ نَطَقَتْ بِفَصِيحِ الْعِبَارَة * مُعْلِنَةٍ بِكَمَالِ الْبِشَارَة * وَمَا مِنْ حَامِلٍ حَمَلَتْ في ذَلِكَ العَامْ * إلاَّ أتَتْ في حَمْلِهَا بِغُلامْ * مِنْ بَرَكَاتِ وَسَعَادَةِ هَذَا الإمَامْ * وَلَمْ تَزَلِ الأرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ * مُتَضَمِّخَةً بِعِطْرِ الْفَرَحِ بِمُلاقَاةِ أشْرَفِ الْبَرِيَّاتْ * وَبُرُوزِهِ مِنْ عَالَمِ الْخَفَاءِ إلى عَالَمِ الظُّهُورْ * بَعْدَ تَنَقُّلِهِ في الْبُطُونِ وَالظُّهُورْ * فَأظْهَرَ اللهُ في الْوُجُودِ بَهْجَةَ التَّكْرِيمْ * وَبَسَطَ في العَالَمِ الكَبِيرِ مَائِدَةَ التَّشْرِيفِ وَالتَّعْظِيمْ * بِبُرُوزِ هَذَا الْبَشَرِ الْكَرِيمْ *

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم أشْرَفَ الصَّلاةِ والتَّسْليم

عَلى سَيِّدنا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الرَّؤوفِ الرَّحِيم

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عَلَيْه

 

      فَحِينَ قَرُبَ أوَانُ وَضْعِ هَذَا الْحَبِيبْ * أعْلَنَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُونَ وَمَنْ فِيهِنَّ بِالتَّرْحِيبْ * وَأمْطَارُ الْجُودِ الإلهَِيِّ عَلَى أهْلِ الوُجُودِ تَثِجْ * وَألْسِنَةُ المَلائِكَةِ بِالتَّبْشِيرِ لِلْعَالَمِينَ تَعِجْ * وَالْقُدْرَةُ كَشَفَتْ قِنَاعَ هَذَا الْمَسْتُورْ * لِيَبْرُزَ نُورُهُ كَامِلاً في عَالَمِ الظُّهُورْ * نُوراً فَاقَ كُلَّ نُورْ * وَأنْفَذَ الْحَقُّ حُكْمَهْ * عَلَى مَنْ أتَمَّ اللهُ عَلَيْهِ النِّعْمَة * مِنْ خَوَاصِّ الأُمَّة * أنْ يَحْضُرَ عِنْدَ وَضْعِهِ أُمَّة * تَأْنِيساً لِجَنَابِهَا الْمَسْعُودْ * وَمُشَارَكَةً لَهَا في هَذَا السِّمَاطِ الْمَمْدُودْ * فَحَضَرَتْ بِتَوْفِيقِ اللهِ السَّيِّدَةُ مَرْيَمُ وَالسَّيِّدَةُ آسِيَة * وَمَعَهُمَا مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَنْ قَسَمَ اللهُ لَهُ مِنَ الشَّرَفِ بِالْقِسْمَةِ الْوافِيَة * فَأتَى الْوَقْتُ الَّذِي رَتَّبَ اللهُ عَلَى حُضُورِهِ وُجُودَ هَذَا الْمَوْلُودْ * فَانْفَلَقَ صُبْحُ الْكَمَالِ مِنَ النُّورِ عَنْ عَمُودْ * وَبَرَزَ الْحَامِدُ الْمَحْمُودْ * مُذْعِناً للهِ بِالتَّعْظِيمِ وَالسُّجُودْ *

 

(مَحلُّ الْقِيَامْ)

 

أشْرَقَ الْكَوْنُ ابْتِهَاجَاً = بِوُجُودِ الْمُصْطَفَى أحْمَدْ

وَلأهْلِ الْكَوْنِ أُنْسٌ = وَسُرُورٌ قَدْ تَجَدَّدْ

فَاطْرَبُوا يَا أهْلَ الْمَثَانِي = فَهَزَارُ الْيُمْنِ غَرَّدْ

وَاسْتَضِيئُوا بِجَمَالٍ = فَاقَ في الْحُسْنِ تَفَرَّدْ

وَلَنَا الْبُشْرَى بِسَعْدٍ = مُسْتَمِرٍ لَيْسَ يَنْفَدْ

حَيْثُ أُوتِينَا عَطَاءً = جَمَعَ الْفَخْرَ الْمُؤَبَّدْ

فَلِرَبِّي كُلُّ حَمْدٍ = جَلَّ أنْ يَحْصُرَهُ الْعَدْ

إذْ حَبَانَا بِوُجُودِ الْـ=ـمُصْطَفَى الْهَادِي مُحَمَّدْ

يَارَسُولَ اللهِ أهْلاً = بِكَ إنَّا بِكَ نُسْعَدْ

وَبِجَاهِهْ يَا إلَهِي = جُدْ وَبَلِّغْ كُلَّ مَقْصَدْ

وَاهْدِنَا نَهْجَ سَبِيلِهْ = كَيْ بِهِ نَسْعَدْ وَنُرْشَدْ

رَبِّ بَلِّغْنَا بِجَاهِهْ = في جِوَارِهْ خَيْرَ مَقْعَدْ

وَصَلاةُ اللهِ تَغْشَى = أشْرَفَ الرُّسْلِ مُحَمَّدْ

وَسَلامٌ مُسْتَمِرٌ = كُلَّ حِينٍ يَتَجَدَّدْ

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عَلَيْه

 

     وَحِينَ بَرَزَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ بَرَزَ رَافِعَاً طَرْفَهُ إلى السَّمَاءْ * مُؤْمِيَاً بِذَلِكَ الرَّفْعِ إلى أنَّ لَهُ شَرَفَاً عَلا مَجْدُهُ وَسَمَا * وَكَانَ وَقْتُ مَوْلِدِ سَيِّدِ الكَوْنَيْنْ * مِنْ الشُّهُورِ شَهْرَ رَبِيع ٍالأول ومن الأيام يوم الإثنين * وموضع ولادته وقبره بالحرمين * وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم وُلد مختوناً مكحولاً مقطوع السرة * تولَّت ذلك لشرفه عند الله أيدي القدرة * ومع بروزهِ إلى هذا العالم ظهر من العجائب * ما يدل على أنه أشرف المخلوقين وأفضل الحبائب * فقد ورد عن عبد الرحمن بن عوف عن أمِّه الشفَّاء رضي الله عنهما * قالت لمَّا ولدت آمنة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع على يديَّ فاستهلَّ فسمعت قائلاً يقول رحمك الله أو رحمك ربُّك * قالت الشفَّاء فأضاء له ما بين المشرق والمغرب * حتى نظرْتُ إلى بعض قصور الروم * قالت ثم ألبسته وأضجعته فلم أنشب أن غشيتني ظلمة ورعب وقشعريرة عن يميني * فسمعت قائلاً يقول أين ذهبت به قال إلى المغرب * وأسفر ذلك عني * ثن عاودني الرعب والظلمة والقشعريرة عن يساري * فسمعت قائلاً يقول أين ذهبت به قال إلى المشرق * قالت فلم يزل الحديث منِّي على بال حتى ابتعثه الله * فكنت من أوَّل الناس إسلاماً * وكم ترجمت السنة من عظيم المعجزات * وباهر الآيات البينات * بما يقضي بعظيم شرفه عند مولاه * وأن عين عنايته في كل حين ترعاه * وأنه الهادي إلى الصراط المستقيم *

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم أشْرَفَ الصَّلاةِ والتَّسْليم

عَلى سَيِّدنا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الرَّؤوفِ الرَّحِيم

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عَلَيْه

 

  ثم إنَّه صلى الله عليه وسلم بعد أن حكمت القدرة بظهوره * وانتشرت في الأكوان لوامع نوره * تسابقت إلى رضاعه المرضعات * وتوفَّرت رغبات أهل الوجود في حضانة هذه الذات * فنَفَذَ الحكمُ من الحضرة العظيمة * بواسطة السوابق القديمة * بأن الأوْلى بتربية هذا الحبيب وحضانته السيدة حليمة * وحين لاحظته عيونها * وبرز في شأنها من أسرار القدرة الربانية مكنونها * نازل قلبها من الفرح والسرور * ما دلَّ على أن حظها من الكرامة عند الله حظ موفور * فحنَّت عليه حُنوَّ الأمهات على البنين * ورغبت في رضاعه طمعاً في نيل بركاته التي شملت العالمين * فطلبت من أمِّ الكريمة * أن تتولى رضاعه وحضانته وتربيته بالعين الرحيمة * فأجابتها بالتلبيى لداعيها * لِمَا رأت من صدقها في حسن التربية ووفور دواعيها * فترحَّلت به إلى منازلها مسرورة * وهي برعاية الله محفوفة وبعين عنايته منظورة * فشاهدت في طريقها من غريب المعجزات * ما دلَّها على أنه أشرف المخلوقات * فقد أتت وشارفها وأتانها ضعيفتان * ورجعت وهما لدواب القافلة يسبقان * وقد درَّت الشارف والشياه من الألبان * بما حيَّر العقول والأذهان * وبقي عندها في حضانتها وزوجها سنتين * تتلقى من بركاته وعجائب معجزاته ما تقرُّ به العين * وتنتشر أسراره في الكونين * حتى واجهته ملائكة التخصيص والإكرام * بالشرف الذي عمَّت بركته الأنام * وهو يرعى الأغنام * فأضجعوه على الأرض اضجاعَ تشريف * وشقوا بطنه شقاً لطيف * ثم أخرجوا من قلبه ما أخرجوه وأودعوا فيه من أسرار العلم والحكمة ما أودعوه *

وما أخرج الأملاك من قبه أذىً = ولكنهم زادوه طُهْراً على طُهْرِ

وهو مع ذلك في قوة وثبات * يتصفَّحُ من سُطُور القدرة الإلهية باهر الآيات * فبلغ إلى مرضعته الصالحة العفيفة * ما حصل على ذاته الشريفة * فتخوَّفتْ عليه من حادث تخشاه * ولم تدْرِ أنه ملاحظٌ بالملاحظة التامة من مولاه * فردَّته إلى أمِّه وهي غير سخيَّة بفراقه * ولكن لِمَا قام معها من حُزنِ القلب عليه وإشفاقه * وهو بحمد الله في حِصْنٍ مانعٍ ومقامٍ كريم *

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم أشْرَفَ الصَّلاةِ والتَّسْليم

عَلى سَيِّدنا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الرَّؤوفِ الرَّحِيم

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عَلَيْه

 

     فَنَشَأ صلى الله عليه وسلم على أكمل الأوصاف * يَحُفّهُ من الله جميلُ الرِّعايةِ وغامِرُ الألطاف * فكان يَشِبُّ في اليوم شبابَ الصَّبيِّ في الشهر * ويظهرُ عليه في صِباهُ مِنْ شرَفِ الكمال ما يَشهدُ لهُ بأنهُ سيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ولا فخْر * ولم يزل وأنجُمُ سُعُودِهِ طالِعَة * والكائناتُ لعَهْدِهِ حَافِظة ولأمْرِهِ طَائعة * فما نفث على مريض إلا وشفاه الله * ولا توجه في غيث إلا وأنزله مولاه * حتى بلغ من العمر أشده * ومضت له من سن الشباب والكهولة مدة * فاجأته الحضرة الإلهية بما شرفته به وحده * فنزل عليه الروح الأمين * بالبشرى من رب العالمين * فتلا عليه لسان الذكر الحكيم شاهد {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم} فكان أول ما نزل عليه من تلك الحضرة من جوامع الحكم * قوله تعالى {إقرأ بإسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * إقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم}* فما أعظمها من بشارة أوصلتها يد الإحسان * من حضرة الإمتنان * إلى هذا الإنسان * وأيدتها بشارة {الرحمن علم القرآن * خلق الإنسان علمه البيان}* ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم  هو الإنسان المقصود بهذا التعليم * من حضرة الرحمن الرحيم *

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم أشْرَفَ الصَّلاةِ والتَّسْليم

عَلى سَيِّدنا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الرَّؤوفِ الرَّحِيم

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عَلَيْه

 

     ثم إنه بعد ما نزل عليه الوحي البليغ * تحمل أعباء الدعوة والتبليغ * فدعا الخلق إلى الله على بصيرة * فأجابه بالإذعان من كانت له بصيرة منيرة * وهي إجابة سبقت بها الأقضية والأقدار * تشرف بالسبق إليها المهاجرون والأنصار * وقد أكمل الله بهمة هذا الحبيب وأصحابه هذا الدين * وأكبت بشدة بأسهم قلوب الكافرين والملحدين * فظهر على يديه من عظيم المعجزات * ما يدل على أنه أشرف أهل الأرض والسماوات * فمنها تكثير القليل * وبرء العليل * وتسليم الحجر * وطاعة الشجر * وانشقاق القمر * والإخبار بالمغيبات * وحنين الجذع الذي هو من خوارق العادات * وشهادة الضب له والغزالة * بالنبوة والرسالة * إلى غير ذلك من باهر الآيات * وغرائب المعجزات * التي أيده الله بها في رسالته وخصصه بها من بين بريته * وقد تقدمت له قبل النبوة إرهاصات * هي على نبوته ورسالته من أقوى العلامات * ومع ظهورها وانتشارها سعد بها الصادقون من المؤمنين * وشقي بها المكذبون من الكافرين والمنافقين * وتلقاها بالتصديق والتسليم * كل ذي قلب سليم *

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم أشْرَفَ الصَّلاةِ والتَّسْليم

عَلى سَيِّدنا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الرَّؤوفِ الرَّحِيم

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عَلَيْه

 

     ومن الشرف الذي اختص الله به أشرف رسول * معراجه إلى حضرة الله البر الوصول * وظهور آيات الله الباهرة في ذلك المعراج * وتشرف السماوات ومن فوقهن بإشراق نور ذلك السراج * فقد عرج الحبيب صلى الله عليه وسلم ومعه الأمين جبريل * إلى حضرة الملك الجليل * مع التشريف والتبجيل * فما من سماء ولجها إلا وبادره أهلها بالترحيب والتكريم والتأهيل * وكل رسول مر عليه * بشره بما عرفه من حقه عند الله وشريف منزلته لديه * حتى جاوز السبع الطباق ووصل إلى حضرة الإطلاق * نازلته من الحضرة الإلهية غوامر النفحات القربية * وواجهته بالتحيات * وأكرمته بجزيل العطيات * وأولته جميل الهبات * ونادته بشريف التسليمات * بعد أن أثنى على تلك الحضرة بالتحيات المباركات الصلوات الطيبات * فيا لها من نفحات غامرات وتجليات عاليات في حضرات باهرات * تشهد فيها الذات للذات * وتتلقى عواطف الرحمات * وسوابغ الفيوضات بأيدي الخضوع والإخبات

رتب تسقط الأماني حسرى = دونها ما وراءهن وراء

عقل الحبيب صلى الله عليه وسلم في تلك الحضرة من سرها ما عقل * واتصل من علمها بما اتصل * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * فما هي إلا منحة خصصت بها حضرة الإمتنان * هذا الإنسان * وأولته من عواطفها الرحيمة ما يعجز عن حمله الثقلان * وتلك مواهب لا يجسر القلم عن شرح حقائقها * ولا تستطيع الألسن أن تعرب عن خفي دقائقها * خصصت بها الحضرة الواسعة * هذه العين الناظرة والأذن السامعة * فلا يطمع طامع في الإطلاع على مستورها * والإحاطة بشهود نورها * فإنها حضرة جلت عن نظر الناظرين * ورتبة عزت على غير سيد المرسلين * فهنيئاً للحضرة المحمدية * ما واجهها من عطايا الحضرة الأحدية * وبلوغها إلى هذا المقام العظيم *

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم أشْرَفَ الصَّلاةِ والتَّسْليم

عَلى سَيِّدنا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الرَّؤوفِ الرَّحِيم

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عَلَيْه

 

     وحيث تشرفت الأسماع بأخبار هذا الحبيب المحبوب * وما حصل له من الكرامة في عوالم الشهادة والغيوب * تحركت همة المتكلم إلى نشر محاسن خلق هذا السيد وأخلاقه * ليعرف السامع ما أكرمه الله به من الوصف الحسن والخلق الجميل * فليقابل السماع ما أمليه عليه من شريف الأخلاق بأذن واعية * فإنه سوف يجمعه من أوصاف الحبيب على الرتبة العالية * فليس يشابه هذا السيد في خلقه وأخلاقه بشر * ولا يقف أحد من أسرار حكمة الله في خلقه وخلقه على عين ولا أثر * فإن العناية الأزلية * طبعته على أخلاق  سنية * وأقامته في صورة حسنة بدرية * فلقد كان صلى الله عليه وسلم مربوع القامة * أبيض اللون مشرباً بحمرة * واسع الجبين حسنه شعره بين الجمة والوفرة * وله الإعتدال الكامل في مفاصله وأطرافه * والإستقامة الكاملة في محاسنه وأوصافه * لم يأت بشر على مثل خلقه * في محاسن نظره وسمعه ونطقه * قد خلقه الله على أجمل صورة * فيها جميع المحاسن محصورة * وعليها مقصورة * إذا تكلم نثر من المعارف والعلوم نفائس الدرر * ولقد أوتي من جوامع الكلم ما عجز عن الإتيان بمثله مصاقع البلغاء من البشر * تتنزه العيون في حدائق محاسن جماله * فلا تجد مخلوقاً في الوجود على مثاله *

سيد ضحكه التبسم والمشـ=ـي الهوينى ونومه الإغفاء

ما سوى خلقه النسيم ولا غيـ=ـر محياه الروضة الغناء

رحمة كله وحزم وعزم= ووقار وعصمة وحياء

معجز القول والفعال كريم= الخلق والخلق مقسط معطاء

وإذا مشى فكأنما ينحط من صبب * فيفوت سريع المشي من غير خبب * فهو الكنز المطلسم الذي لا يأتي على فتح باب أوصافه مفتاح * والبدر التم الذي يأخذ الألباب إذا تخيلته أو سناه لها لاح *

حبيب يغار البدر من حسن وجهه= تحيرت الألباب في وصف معناه

فماذا يعرب القول عن وصف يعجز الواصفين * أو يدرك الفهم معنى ذات جلت أن يكون لها في وصفها مشارك أو قرين *

كملت محاسنه فلو أهدى السنا=للبدر عند تمامه لم يخسف

وعلى تفنن واصفيه بوصفه=يفنى الزمان وفيه مالم يوصف

فما أجل قدره العظيم * وأوسع فضله العميم *

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم أشْرَفَ الصَّلاةِ والتَّسْليم

عَلى سَيِّدنا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الرَّؤوفِ الرَّحِيم

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عَلَيْه

 

    ولقد اتصف صلى الله عليه وسلم من محاسن الأخلاق * بما تضيق عن كتابته بطون الأوراق * كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً وخلقا * وأولهم إلى مكارم الأخلاق سبقا * وأوسعهم بالمؤمنين حلماً ورفقا * براً رؤوفاً * لا يقول ولا يفعل إلا معروفا * له الخلق السهل * واللفظ المحتوي على المعنى الجزل * إذا دعاه المسكين أجابه إجابة معجلة * وهو الأب الشفيق الرحيم لليتيم والأرملة * وله مع سهولة أخلاقه الهيبة القوية * التي ترتعد منها فرائص الأقوياء من البرية * ومن نشر طيبه تعطرت الطرق والمنازل * وبعرف ذكره تطيبت المجالس والمحافل * فهو صلى الله عليه وسلم جامع الصفات الكمالية * والمنفرد في خلقه وخلقه بأشرف خصوصية * فما من خلق في البرية محمود * إلا وهو متلقى عن زين الوجود *

أجملت في وصف الحبيب وشأنه=وله العلا في مجده ومكانه

أوصاف عز قد تعالى مجدها=أخذت على نجم السها بعنانه

وقد انبسط القلم في تدوين ما أفاده العلم من وقائع مولد النبي الكريم * وحكاية ما أكرم الله به هذا العبد المقرب من التكريم والتعظيم والخلق العظيم * فحسن مني أن أمسك أعنة الأقلام * في هذا المقام * وأقرأ السلام * على سيد الأنام *

؛ السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ؛ السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ؛

؛ السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ؛

وبذلك يحسن الختم كما يحسن التقديم * فعليه أفضل الصلاة والتسليم *

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم أشْرَفَ الصَّلاةِ والتَّسْليم

عَلى سَيِّدنا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الرَّؤوفِ الرَّحِيم

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عَلَيْه

 

 (دعاء التختيم)

 

     ولما نظم الفكر من دراري الأوصاف المحمدية عقودا * توجهت إلى الله متوسلاً بسيدي وحبيبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يجعل سعيي فيه مشكوراً وفعلي فيه محمودا * وأن يكتب عملي في الأعمال المقبولة * وتوجهي في التوجهات الخالصة والصلات الموصولة * اللهم يا من إليه تتوجه الآمال فتعود ظافرة * وعلى باب عزته تحط الرحال فتغشاها منه الفيوضات الغامرة * نتوجه إليك * بأشرف الوسائل لديك * سيد المرسلين * عبدك الصادق الأمين * سيدنا محمد الذي عمت رسالته العالمين * أن تصلي وتسلم على تلك الذات الكاملة * مستودع أمانتك * وحفيظ سرك * وحامل راية دعوتك الشاملة * الأب الأكبر * المحبوب لك والمخصص بالشرف الأفخر * في كل موطن من مواطن القرب ومظهر * قاسم إمدادك في عبادك * وساقي كؤوس إرشادك لأهل ودادك * سيد الكونين * وأشرف الثقلين * العبد المحبوب الخالص * المخصوص منك بأجل الخصائص * اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه * وأهل حضرة اقترابه من أحبابه * اللهم إنا نقدم إليك جاه هذا النبي الكريم * ونتوسل إليك بشرف مقامه العظيم * أن تلاحظنا في حركاتنا وسكناتنا بعين عنايتك * وأن تحفظنا في جميع أطوارنا وتقلباتنا بجميل رعايتك * وحصين وقايتك * وأن تبلغنا من شرف القرب إليك وإلى هذا الحبيب غاية آمالنا * وتتقبل منا ما تحركنا فيه من نياتنا وأعمالنا * وتجعلنا في حضرة هذا الحبيب من الحاضرين * وفي طرائق اتباعه من السالكين * ولحقك وحقه من المؤدين * ولعهدك من الحافظين * (اللهم) إن لنا أطماعاً في رحمتك الخاصة فلا تحرمنا * وظنوناً جميلة هي وسيلتنا إليك فلا تخيبنا * آمنا بك وبرسولك وما جاء به من الدين * وتوجهنا به إليك مستشفعين * أن تقابل المذنب منا بالغفران * والمسيء بالإحسان * والسائل بما سأل * والمؤمل بما أمل * وأن تجعلنا ممن نصر هذا الحبيب ووازره * ووالاه وظاهره * وعم ببركته وشريف وجهته أولادنا ووالدينا * وأهل قطرنا ووادينا * وجميع المسلمين والمسلمات * والمؤمنين والمؤمنات * في جميع الجهات * وأدم راية الدين القويم في جميع الأقطار منشورة * ومعالم الإسلام والإيمان بأهلها معمورة * معنى وصورة * واكشف اللهم كربة المكروبين * واقض دين المدينين * وتقبل توبة التائبين * وانشر رحمتك على عبادك المؤمنين أجمعين * واكف شر المعتدين والظالمين * وابسط العدل بولاة الحق في جميع النواحي والأقطار * وأيدهم بتأييد من عندك ونصر على المعاندين من المنافقين والكفار * واجعلنا يا رب في الحصن الحصين من جميع البلايا * وفي الحرز المكين من الذنوب والخطايا * وأدمنا في العمل بطاعتك والصدق في خدمتك قائمين * وإذا توفيتنا فتوفنا مسلمين مؤمنين * واختم لنا منك بخير أجمعين * وصل وسلم على هذا الحبيب المحبوب * للأجسام والأرواح والقلوب * وعلى آله وصحبه ومن إليه منسوب * وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين *

 

انتهى

 

أملى ذلك سيدي الحبيب في ثلاثة مجالس خفيفة وذلك في وسط شهر ربيع الأول عام 1327 هجرية

نفع الله بجامعه قلب كاتبه وقاريه وسامعه في الدنيا والآخرة آمين

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم