آيات اليسر في القرآن الكريم

المقدم: الشيخ الدكتور/ عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الضيف: فضيلة الشيخ الدكتور/ حسن بن علي بن منيع الشهراني الأستاذ المساعد بجامعة الملك خالد بأبها، والمتخصص في الدراسات القرآنية

 المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، حياكم الله أيها الإخوة المشاهدون الكرام في كل مكان، في برنامجكم الأسبوعي التفسير المباشر، الذي يأتيكم على الهواء مباشرةً من استوديوهات قناة دليل الفضائية بمدينة الرياض، وسوف يكون حديثنا بإذن الله تعالى في هذه الحلقة المباركة حول موضوع من موضوعات القرآن الكريم، نتحدث فيه عن الآيات التي تناولت هذا الموضوع، وعن حجم هذه الآيات في القرآن الكريم، وكيف تناولها القرآن الكريم، وهو موضوع آيات اليسر في القرآن الكريم، ويسعدني أيها الإخوة المشاهدون باسمكم جميعاً في مستهل هذا اللقاء، أن نرحب بضيفنا في هذه الحلقة فضيلة الشيخ الدكتور/ حسن بن علي بن منيع الشهراني الأستاذ المساعد بجامعة الملك خالد بأبها، والمتخصص في الدراسات القرآنية، فحياكم الله يا دكتور حسن.

 

الضيف: حياك الله، وحيا الله الإخوة المشاهدين.

 

المقدم: الله يحييك، ونشكر لك استجابتك الكريمة:  اليسر في القرآن الكريم، موضوع طريف يا دكتور حسن، وأنتم قد قضيتم في بحثه عدة سنوات في رسالة الماجستير، فنرجو من خلال هذه الحلقة يا دكتور حسن أن نعرف الإخوة المشاهدين، وأن ننجح في تلخيص إن صح التعبير، في تلخيص رسالتك للإخوة المشاهدين، حتى نخرج من هذا اللقاء وقد عرفنا كيف تناول القرآن الكريم موضوع اليسر، وما المقصود به في القرآن الكريم، وتعريفاته اللغوية والاصطلاحية، وبدايةً إن شئت يا دكتور نجعل مدخل لهذا اللقاء، كم حجم آيات اليسر في القرآن الكريم التي تناولت الموضوع، ثم تعريفه في اللغة وفي القرآن الكريم.

 

الضيف: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كبيراً.

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

 {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }

 أما بعد: فأشكر الله عز وجل أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، ثم أشكر لكم دكتور عبد الرحمن على إتاحة هذه الفرصة، وعلى هذه الدعوى الكريمة المباركة لتسليط الضوء على هذا الموضوع، كما أشكر القائمين على هذا البرنامج، والعاملين فيه، وأسأل الله عز وجل لهم التوفيق والسداد، والشكر موصول أيضاً للقائمين على هذه القناة المباركة، والعاملين فيها، وأسأل الله جل جلاله أن يبارك في هذه الجهود، وأن ينفع بها، وأن يجعلها جهوداً مباركة مثمرة، وأن يبارك في هذه القناة، وأن يجعلها قناة خير ونور وهداية للناس أجمعين، أما بالنسبة لموضوع اليسر في القرآن الكريم، كدراسة موضوعية، بما أنك سألتم يا شيخ عبد الرحمن عن الآيات وحجم الآيات، فالآيات سبع وثلاثين آية، فاليسر ذكر إحدى وأربعين مرة في سبعٍ وثلاثين آية، بالنسبة لموضوعنا عموماً يعني اليسر في القرآن الكريم دراسة موضوعية، المقصود به تتبع الآيات الكريمة التي ذكر فيها اليسر بصيغه المختلفة لفظاً، كذلك الآيات التي فيها ألفاظ وتراكيب تعتبر من معاني اليسر، أو تدل عليه أو تشترك معه في المعنى.

 المقدم: مثل رفع الحرج.

 الضيف: نعم، مثل التخفيف رفع الحرج، وضع الإصر، إلى غيره، ثم تفسير هذه الآيات تفسيراً موضوعياً، وتقسيم الموضوع تبعاً لذلك، وبما أن هذه الآيات تأتي في مواضيع متعددة متفرقة فظهر لي أنني أستطيع أن أقسمها أو أجعلها أنواعاً، بمعنى كأنها تفيد أن اليسر أنواع في القرآن، فهناك اليسر في حق الله جل جلاله، المتعلق بجلال الرب سبحانه وتعالى، اليسر الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، يسر القرآن الكريم يسر تلاوته وحفظه وفهمه إلى آخره، ثم النوع الرابع اليسر في أمور الدنيا والآخرة، النوع الخامس اليسر في التكاليف الشرعية، اليسر في التكليف العام، لأن هناك تراكيب هي بمثابة القواعد، مثل: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} إلى آخره، فهذه قواعد عامة في التكليف العام، ونماذج لليسر في التكاليف الشرعية، مثل اليسر في الطهارة، اليسر في الصلاة في الحج في الصيام إلى آخره، كما سيأتي معنا إن شاء الله إذا سمح الوقت.

 المقدم: جميل جداً.

 الضيف: يعني هذه لمحة موجزة عن اليسر، أو عن موضوعنا "اليُسر في القرآن الكريم دراسة موضوعية".

 المقدم: طيب يا دكتور حسن الآن اليسر في اللغة واليسر في القرآن الكريم، والعلاقة بين المعنيين، يعني المعنى اللغوي لليسر والمعنى بالقرآن إن صح التعبير، ما هي العلاقة بينهما برأيك؟

 الضيف: بالنسبة لكلمة يَسَرَ بتصنيفاتها المتعددة، هي وردت في اللغة على معان عدة، وذلك من خلال النظر طبعاً، وعودة إلى كتب معاجم اللغة مثل لسان العرب وغيره، ووردت على عدة معاني منها السهولة، وهو أصل المعنى، يقال: يَسَرَ الأمر ويَسُرَ ويَسَّرَهُ الله أي سهله، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث: ((إن هذا الدين يُسْرٌ ولا يُشاد الدين أحداً إلا غلبه)) فمعنى يُسْرٌ أي سهل سمح قليل التشدد، أيضاً من المعاني اللين وحسن الانقياد يقال: رجل يَسْرٌ أي لين، وفرس يَسْرٌ أي لين حسن الانقياد، أيضاً من المعاني الخصب والرخاء، يقال أيسرت في البلاد أي أخصبت، أيضاً من المعاني الغنى والثروة، يقال: أيسر الرجل إيساراً ويُسراً أيسر ذا يسار أي غنىً وثروة، أيضاً من المعاني التنفيس والتوسيع وعدم التشديد والتضييق، يقال: أيْسِر أخاك أي نفس عليه في الطلب ولا تعسره أي لا تضيق عليه ولا تحرجه، أيضاً من المعاني التهيؤ والاستعداد، إذا قال تيسر لكذا أي تهيأ له واستعد، ومن المعاني أيضاً التوفيق للشيء، يقال: يسره الله لكذا أي وفقه له، وهذا يأتي في الخير ويأتي في الشر، يقال: يسره الله للخير في قوله تعالى: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} وفي الشر قوله تعالى: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} أيضاً من المعاني الشيء الحقير والهين يقال: شيء يسير أي شيء حقير وهين، وهناك معانٍ أخرى متعددة لكن في أن يقال الخلاصة في معنى اليسر ما قاله ابن فارس رحمه الله صاحبكم الياء والسين والراء أصلان يدل أحدهم على انفتاح الشيء وخفته، والآخر على عضو من الأعضاء، فانفتاح الشيء الذي هو الأصل الأول الذي يدل على انفتاح الشيء وخفته اتضحت معانيه من خلال المعاني التي ذكرت سابقاً، وقوله عضو من الأعضاء ربما يعني به اليد اليسرى، أما بالنسبة لمعنى اليُسر في استعمال القرآن الكريم فاليُسر في القرآن الكريم ذكر كما سبق أن أشرنا إحدى وأربعين مرة في سبعٍ وثلاثين آية، وجاء على أربعة أوجه إجمالاً كما ذكر الدامغاني رحمه الله: الوجه الأول بمعنى الرخصة في قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ} أي الرخصة، طبعاً هذه الآية جاءت بعد أن رخص الله عز وجل للمريض والمسافر في رمضان بالفطر، وقال بعد ذلك الله عز وجل: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ} أي في هذه الرخصة، الوجه الثاني بمعنى السهل، ومنه قول الله تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} أي سهلناه وهوناه، الوجه الثالث بمعنى الرخاء ومنه قول الله تعالى في سورة الطلاق: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} أي بعد فقرٍ غنى، الوجه الرابع بمعنى العظة الحسنة: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً } أي عظهم عظةً حسنة، بالنسبة لكلمة يسير من تصريفات يَسَرَ فهي أيضاً جاءت في القرآن على عدة أوجه منها ما ذكره الفيروز آبادي رحمه الله حيث قال: لها معنيان: بمعنى الشيء القليل وبمعنى الشيء السهل، القليل في قوله تعالى: {وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيراً} أي قليلاً.

المقدم: إلا مدة قليلة.

 الضيف: نعم، واليسير السهل في قوله تعالى: {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} أي سهلاً، فهذا لا يتعلق يعني بالمعنى أو بمعنى اليسر في استعمال القرآن الكريم، بالنسبة للعلاقة بين المعنى اللغوي واستعمال القرآن الكريم لهذه الكلمة، من خلال النظر في المعنى اللغوي لكلمة يَسَرَ وصفاتها، وكذلك الاستعمال القرآني لهذه الكلمة كما مرَّ معنا، يتضح التوافق في المعنى، وأن القرآن استعمل هذه الكلمة على نفس أوجه استعمالاتها في معانيها في اللغة العربية، فمثلاً الرخصة في القرآن فيها معنى السهولة والتنفيس والترسيخ وعدم التشديد والتضييق، هذا في الرخصة، السهل في القرآن هو المعنى الأصلي في اللغة، بالنسبة للرخاء في القرآن أيضاً نفس المعنى اللغوي كما مرَّ أيسرت البلاد أي أخصبت، وهذا نوع من الرخاء، وأيضاً فيه نوع من الغنى والثروة، من أيسر الرجل إيساراً ذا غنىً وثروة، الأمر الرابع فيما يتعلق بالعظة الحسنة، عظهم عظةً حسنة، قالوا فيها معنى اللين، يعني فيها معنى اللين والتلطف، وذلك إذا جاء الإنسان قريبه أو مسكين أو يتيم، وسأله وليس عنده شيء، فيعني يقول له قولاً ميسوراً كما قال الله عز وجل: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً } إذا رزقنا الله وجاءنا رزق سنصلكم إن شاء الله، ويقول هذا يعني برفق ولين حتى يكون هذا أولى من الرد الجافي، اليسير في الشيء القليل والهين، أيضاً في القرآن جاء على نفس المعنى أيضاً في اللغة فإذاً العلاقة واضحة بين استعمال القرآن الكريم بهذه الكلمة وبين المعاني التي هي عليها في اللغة، فالمعنى العلاقة واضحة والتوافق ظاهر.

 المقدم: فهو يعني كمعلومة للإخوة المشاهدين كما أكدت عليها في كلامك أن المعاني التي جاءت للألفاظ في القرآن الكريم غالبها هي نفس المعاني التي تستخدمها العرب {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} وقليل من الألفاظ القرآنية هي الألفاظ التي تغير معناها، من المعنى الذي كان يستخدمه العرب إلى معنى إسلامي جديد فيه إضافة مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج.

الضيف: معنىً شرعياً.

 المقدم: نعم، أنت ذكرت يا دكتور حسن في حديثك عن أنواع اليسر فقلت هناك يسر متعلق بجانب الرب، فليتك تفصل في هذه المحاور.

 الضيف: نعم، بالنسبة لليسر في جناب الرب، يعني اليسر الخاص بالله سبحانه وتعالى، لأن هناك آيات مثلاً تتحدث عن القدرة، تتحدث عن الله عز وجل، وكانت تختم باليسر.

 المقدم: {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً}.

 الضيف: نعم، ولذلك أنا جعلتها في قسمين، لأنها لا تخرج عن هذين القسمين أصلاً: يسر القدرة ويسر العلم، بالنسبة ليسر القدرة المقصود به، طبعاً القدرة هي صفة ذاتية لله عز وجل، وهي من الصفات الثبوتية التي تثبت لله جل جلاله على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى، ووصف بها نفسه، فنحن نثبتها لأن الله سبحانه وتعالى أعلم بصفاته جل جلاله، فمعنى يسر القدرة يعني سهولة سائغ المقدورات على قدرة الله عز وجل من كل ما هو ممكن، أما الشيء المستحيل لذاته، مثل كون الشيء موجوداً معدوماً في نفس الوقت، فهذا لا يتصور، أيضاً قال مثل نفسه فإن هذا أمر مستحيل لذاته، فالله جل جلاله هو الخالق سبحانه وتعالى، وهو الحي الذي لا يموت سبحانه وتعالى.

 المقدم: المقصود بيسر القدرة في جانب الرب.

 الضيف: في جانب الرب جل جلاله، وطبعاً مثلها أيضاً يسر العلم، يعني سهولة علم الله عز وجل، أو سهولة إحاطة الله عز وجل بكل شيءٍ علماً، يعني فهو سبحانه وتعالى علم ما كان وما لم يكن وما هو كائن وما لم يكن لو كان كيف يكون، فهو سبحانه وتعالى قد أحاط بكل شيءٍ علما، وذلك كله سهل عليه سبحانه وتعالى، كما سيأتي إن شاء الله إشارة إليها، بما ييسر الله عز وجل.

 المقدم: جميل جداً، قبل أن نسترسل في بيان الأقسام يا دكتور حسن، تأخذ لي أن آخذ بعض الاتصالات، معنا الأخت هاجر من السعودية، تفضلي يا أخت هاجر.

 الأخت: يا شيخ لو سمحت.

 المقدم: انقطع الاتصال، نعود للحديث عن التقسيمات يا دكتور حسن، هذا الجانب الأول، اللي هو الجانب المتعلق بقدرة الرب سبحانه وتعالى.

 الضيف: يا شيخ أذكر مثال من يسر القدرة، يعني يسر القدرة هناك مظاهر تدل على القدرة ذكرها الله جل جلاله في كتابه، منها يسر بدأ الخلق وإعادتها على الله عز وجل، طبعاً البدء ذكر في القرآن الكريم، خمس عشرة مرة في أربعة عشرة آية، والإعادة ذكرت إحدى عشرة مرة في عشر آيات، طبعاً معنى بدأ الخلق وإعادته، بدأ الخلق إيجاده بعد أن لم يكن موجوداً من العدم، وإعادته يعني إيجاده بعد انعدامه، والمراد به البعث بعد الموت، طبعاً البعث ذكر في القرآن سبعة وستين مرة، بالنسبة للآيات التي ذكر فيها يسر البدء والإعادة قول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} هذه الآية سيقت في مقام الإنكار على منكري البعث قديماً وحديثاً، وفيها إثبات لأمرين: الأمر الأول: سهول ابتداء خلق الإنسان على الله عز وجل، ويسر ذلك لديه سبحانه وتعالى، فإنه سبحانه وتعالى إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، الأمر الثاني: سهولة إعادة خلق الإنسان بعد فنائه، وهو ما يكون يوم البعث، وذلك أيسر على الله عز وجل وأهون من إتباع الخلق، قال الله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} وقال سبحانه: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} المعنى أن ابتداء الخلق لم يعجزنا والإعادة أسهل منه، طبعاً من هذا أيضاً الحديث القدسي يقول الله تعالى في الحديث القدسي.

 المقدم: عفواً دكتور حسن، بعض الناس قد يسأل في هذا الموضع بالذات قبل أن نتجاوزه، فيقول: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} هل معنى هذا أن هناك شيء هين وهناك شيء أهون على الله.

 الضيف: سواء سواء، ولكن الله عز وجل يقيس البشر بمقاييس.

 المقدم: بما يفهمونه.

 الضيف: بما يفهمونه.

 المقدم: وعقلاً، أن الإعادة أسهل من الابتداء.

 الضيف: أسهل من الابتداء، جاء في الحديث القدسي يقول الله تبارك وتعالى: ((كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته)) هذا الحديث رواه البخاري رحمه الله، طبعاً هذه الآية أكد الله عز وجل سهولة البدء والإعادة عليه سبحانه وتعالى في قوله في ختامها: {إن ذلك على الله يسير} أي البدء والإعادة كلاهما سهل هين على الله عز وجل، وجاء الخبر هنا مؤكداً بإن، لرد دعوى المشركين أنه لن يعيدهم، وجاء الجواب هنا مؤكداً بإن، يسر البعث مثلاً جاء في مثل قول الله تعالى: {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} يقول ابن كثير رحمه الله في إدراج اليسر هنا، يقول أي تلك إعادة سهلة علينا، يسيرة لدينا، كما قال الله تبارك تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} وكما قال تعالى: {مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} هذا الخلق الكثير المتعدد بهذه الأشكال وهذه الأعداد الهائلة بالنسبة لله عز وجل كخلق نفس واحدة.

 المقدم: سبحانه وتعالى.

 الضيف: جاء أيضاً بيان ذلك مؤكداً بالقسم، بالتأكيد بالفعل باللام ونون التوكيد في قول الله تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} وهذا كمثال يعني.

 المقدم: جميل إذاً وصف الله سبحانه وتعالى إعادة البعث بعد الموت، أو البعث بعد الموت أنه يسير عليه سبحانه وتعالى، وهذا من أوجه اليسر في جانب القدرة.

 الضيف: في جانب القدرة نعم.

 المقدم: والجانب الآخر.

 الضيف: تريد نذكر أمثلة أخرى شيخ عبد الرحمن، ولا نكتفي.

 المقدم: نكتفي بهذا المثال في هذا الجانب، حتى الوقت لا يضيق علينا.

 الضيف: يعني نأخذ يسر العلم.

 المقدم: أيوه بالضبط.

 الضيف: طيب، هناك فيه أمر أنت كنت ذكرته يا شيخ فيما يتعلق بالبعض قد لا يرى إبراز مثل هذه الجوانب أو شيء من هذا.

المقدم: اللي هي جوانب...

 الضيف: يعني إبراز سهولة قدرة الله عز وجل عليه، وإن هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة.

 المقدم: أنا ذكرت لك فعلاً قضية هل اليسر في القرآن الكريم أمر يستحق أن نفرد له حلقة، وأن تخصه ببحث، وهو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة.

 الضيف: نعم، خاصة فيما يتعلق بقدرة الرب، أنا أقول مثل هذا الأمر ينبغي العناية به، صحيح بالنسبة لأهل الإيمان فهذا يعني نحن مؤمنون بهذا، لكن مثل هذه الآيات وهي مبثوثة في القرآن الكريم يعني يخاطب بها فئات من الناس، الفئة الأولى منكروا البعث قديماً وحديثاً، ولهذا كفار قريش في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، كانوا مقرون بأن الله هو الخالق، لكنهم أنكروا البعث، أقروا بأن الله عز وجل هو الخالق، كما قال الله عز وجل: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} فهم مقرون بأن الله عز وجل هو الخالق، لكنهم أنكروا البعث وإعادة الخلق، ولهذا قال الله عز وجل: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } بأن الله عز وجل هو الذي أنشأ أول مرة، إذاً فالذي أنشأها أول مرة قادر على إعادتها بعد أن تصبح رميماً وتصبح تراباً، هذا فيما يتعلق بالرد على منكري البعث، أيضاً الصنف الثاني الملاحدة الذين ينكرون وجود الخالق أصلاً، هذه الآيات ربما يستصعبون هذا الأمر على الله عز وجل، يقولون: الطبيعة هي التي أوجدت نفسها أو كذا، فينكرون الخالق أصلاً، فهذه الآيات تبين سهولة هذا الأمر على الله عز وجل، وأنه قادر على كل شيء، وأن إيجاد الخلق ابتداءً وإعادته بعد الموت وكذا، كله سهل على الله يسير عليه سبحانه وتعالى، أيضاً هناك أمر آخر أن هذا ممكن أيضاً يفيد بالنسبة للمؤمن، يعني فيه زيادة لإيمانه، زيادة في يقينه، لأن المؤمن كلما تأمل في مثل هذه الآيات وتدبرها ازداد إيماناً، ولهذا ذكر الله عز وجل أهل الإيمان في قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً} فالمؤمن يزداد إيماناً، فلما يطلع على مثل هذه الموضوعات وتفسيرها وكذا، يزيده هذا إيماناً ويقيناً، وبحث هذه الأمور لا يعني الشك في قدرة الله، ولهذا إبراهيم عليه السلام عندما سأل الله عز وجل وحكا الله عز وجل هذا في القرآن: إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((نحن أحق بالشك من إبراهيم)) إذا كانت القضية قضية شك فنحن أولى بالشك من إبراهيم عليه الصلاة والسلام، هو إذاً سأل ليرتقي في العلم ويصل إلى درجة عالية من العلم، وهي درجة عين اليقين، حكا الله عز وجل هذا في كتابه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } كذلك ما حكاه الله عز وجل في قصة عزير أو غيره كما قال أهل التفسير عندما مر بقرية: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} كأنه يشكك في قدرة الله عز وجل، فجعل الله عز وجل هو آية، فأماته الله عز وجل مائة عام ثم بعثه، كما حكا الله عز وجل في كتابه، بعثه وأحياه، ثم أحيا أمامه حماره، وفي الآخر قال: {أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

 المقدم: هنا حتى هذه الآيات للمؤمن أنه يستفيد وينتفع بها عندما تبرز في مكان واحد وفي صعيد واحد.

 الضيف: وتجمع في مكان واحد.

 المقدم: تأذن لي يا دكتور حسن نأخذ اتصال من الأخت أم يوسف، تفضلي يا أم يوسف.

 الأخت: السلام عليكم.

 المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله.

 الأخت: تتكلمون عن قدرة الله سبحانه وتعالى، وعن تيسير الله سبحانه وتعالى، إذا تكرمت هل من الممكن أنكم تتكلمون عن تيسير الله لعبده عند الموت وبعد الموت العبد المؤمن المسلم ما أقول المؤمن أقول المسلم، لأن هذه الأشياء التي من أعظم الأشياء التي تزعجنا، ومن أعظم الأشياء التي تخلي الإنسان يعيش دائماً في حزن دائم، تيسير الله لعبده في الموت وبعد الموت، وفي الحشر، وفي القيامة، على الصراط، هذه أشياء تهمنا نحن كعامة، الأشياء التي تتكلمون فيها الآن هي أشياء تخص العلماء، لكن نحن العامة بحاجة إلى هذا الموضوع، إن استطعت طرقه في هذه الحلقة ولو بشكل مختصر جزاكم الله خير، إن استطعتم فأفردوا له حلقة جزاكم الله عنا خير الجزاء.

 المقدم: حياك الله يا أم عبد الرحمن، الله يحييك، نعود يا دكتور حسن إلى موضوع التقسيمات أنت ذكرت الجانب الأول، وهو قدرة الله سبحانه وتعالى وأنه قادر سبحانه وتعالى على إعادة الخلق بعد الموت، وأن ذلك عليه يسير سبحانه وتعالى، وأن وصف هذا الفعل بأنه يسير، الأمر الثاني: قضية العلم، بأن الله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم وهذا يسير عليه.

 الضيف: سبحانه وتعالى، نعم، يعني منتهى السهولة إحاطة الله علماً بكل شيء عليم سبحانه.

المقدم: نريد أن نأخذ بقية التقسيمات لأن الوقت يدركنا.

الضيف: طيب، بالنسبة لسؤال الأخت، يمكن هذا يأتي معنا عند الحديث عن اليسر في أمور الدنيا والآخرة وأحوالهما.

المقدم: طيب، إذاً نرجئه حتى نصل إليه.

الضيف: إي حتى نصل إليه، ولعلنا إن شاء الله نجيب عما سألت عنه، يتجلى يعني بالنسبة ليسر العلم، في يسر علم ما في السماوات وما في الأرض على الله عز وجل، قال تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} هذه الآية تدل على أمرين: الأمر الأول: كمال علمه سبحانه وتعالى بخلقه، وأنه سبحانه وتعالى قد أحاط بما في السماوات وما في الأرض علماً، لا يعزبه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها كما جاء في الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء)) هذا الحديث أخرجه مسلم، فهو سبحانه وتعالى لا يخفى عليه خافية من ظواهر الأمور ولا بواطنها سبحانه وتعالى، وعلمه هذا يسير عليه سهل عليه، وإن رآه بعض العباد مستحيلاً فإن ذلك لعجزهم ومحدودية قدراتهم.

المقدم: صحيح.

الضيف: الأمر الثاني: الذي تدل عليه هذه الآية؛ أن ذلك العلم المحيط بما في السماوات والأرض قد أثبته الله في كتاب وهو اللوح المحفوظ، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش تبارك وتعالى: ((اكتب)) فقال القلم: وما أكتب، قال: ((علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة)) فجرى بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة، فذلك قوله للنبي صلى الله عليه وسلم: ((ألم تعلم أن الله يرى ما في السماء والأرض)) أيضاً من مظاهر يسر العلم يسر عند الخلق والآجال، وهذا في قول الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} هذه الآية تدل أيضاً على أمرين: الأمر الأول: العلم بما تحمل كل أنثى قبل أن يكون ذلك الحمل، فهو سبحانه يعلم متى تحمل، ومتى تضع، وأين تضع، وكيف تضع، وما الذي تحمله؟ ذكراً أم أنثى، واحداً أم أكثر، تاماً أم غير تام، صحيحاً أم سقيماً، سعيداً أم شقياً، يعلم ذلك كله قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة كما أطلعنا في الحديث، الأمر الثاني: مما تدل عليه هذه الآية، يسر العلم بآجال العباد، فالله عز وجل يعلم أعمار العباد ومن يعمر مما يطول عمره، ومن ينقص من عمره فيكون عمره قصيراً، كل ذلك معلوم عند الله عز وجل، فالإنسان لا يدري مدة عمره، ولا مدى حياته ولا اليوم الذي يموت فيه، ولا المكان الذي ينتهي أجله عنده، ولكن الله عز وجل يعلم ذلك سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.

المقدم: والعجيب يا دكتور حسن هذه الأشياء بعضها لا يمكن أن يعلمها الإنسان، مما استأثر الله بعلمه، وحتى لو بذل ما بذل لا يستطيع أن يصل إليه، وبعضها يمكن أن يصل إليه ولكن بصعوبة، في حين أن الله سبحانه وتعالى قال: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}.

الضيف: أحسنت، وهذه فائدة حتى نكون تفسير في موضوعنا، وأيضاً هناك يسر العلم بما يصيب العبد في حياته من المصائب، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}.

المقدم: ننتقل إلى اليسر المتعلق يا دكتور بغير الرب سبحانه وتعالى.

الضيف: يسر القرآن.

المقدم: في قوله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ما المقصود باليسر هنا؟

الضيف: أحسنت؛ طبعاً القرآن الكريم هو كلام الله عز وجل، المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، المتعبد بتلاوته، تكلم به جل جلاله حقيقةً ألقاه على جبريل عليه السلام إلى آخره، هذا الكلام الذي هو كلام الله ليس في طاقة البشر المجردة فهمه، ولا حفظه، ولا تلاوته، لولا أن الله عز وجل يسر وسهل ذلك وأعان، ولهذا قال الله تعالى فيما يتعلق بتيسير التلاوة: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ} يقول ابن عباس رضي الله عنهما: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله عز وجل، فالله عز وجل يسر هذا الكتاب على ألسنة الخلق حتى يتكلمون به، فهو كلامه جل جلاله، ومن ذلك ما تفضلت به، في قول الله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} أيضاً يؤخذ من هذه تيسير الحفظ، ولهذا قال القرطبي عن هذه الآية: أي سهلناه للحفظ وأن عليه من أراد حفظه، فهل من طالب علم لحفظه فيعان عليه، أو كما قال، وقال سعيد بن جبير رحمه الله: ليس من كتب الله كتاباً يقرأ كله ظاهراً عن ظهر قلب إلا القرآن.

المقدم: الله أكبر.

الضيف: ولهذا حفظه متيسر بتيسير الله عز وجل، ويحفظ من أوله من فاتحته إلى خاتمته من سورة الناس، وهذا أيضاً من أوجه الإعجاز، ولهذا الماوردي رحمه الله عندما عدد أوجه إعجاز القرآن الكريم، قال: الوجه الثالث عشر من إعجازه تيسره على جميع الألسنة، حتى حفظه الأعجمي الأبكم، ودار به لسان القبطي الألكن، ولا يحفظ غيره من الكتب كحفظه، ولا تدري ألسنة البكم كدريها به، وما ذلك إلا بخصائص إلهية فضله بها على سائر كتبه.

المقدم: وهذا ملاحظ سبحان الله، نلاحظ بعض الطلاب أو بعض الإخوان من العجم من غير العرب، يحفظه حفظاً متقناً، ولا يتكلم بالعربية أبداً.

الضيف: ولا يستطيع أن ينطق بكلمة.

المقدم: نعم، ولا يفهم حتى القرآن، لكنه يحفظه.

الضيف: لكن يحفظه عن ظهر قلب، وهذا من تيسير الله عز وجل.

المقدم: طيب، ما توجيهك يا دكتور حسن برأيك، في قوله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} والنبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث: ((والذي يقرأ القرآن الكريم وهو عليه شاق فله أجران)) فما معنى المشقة في قراءة القرآن هنا في حين أنها ميسرة برأيك.

الضيف: ربما المشقة بحكم أنها يعني صعوبة النطق، لكن مع ذلك لا ينافي هذا التيسير على هذا اللسان، لأن القصد أن الله جل جلاله يسر هذا الكلام الذي هو كلامه جل جلاله على الألسنة، سواء كان اللسان منطلقاً به أو يجد مشقة فكل هذا من تيسير الله عز وجل، فربما هذا أيضاً الذي يجد مشقة لكن مع الاستمرار، يلين لسانه حتى ينطلق به بإذن الله عز وجل، لذلك القراءة والتلقي عن الشيخ وكذا مهم في مثل هذا.

المقدم: جزاك الله خيراً.

الضيف: وإياك.

المقدم: أستأذنك في أخذ بعض الاتصالات يا دكتور.

الضيف: تفضل.

المقدم: معنا الأخ عدنان من السعودية، تفضل.

الأخ: السلام عليكم ورحمة الله.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله.

الأخ: أحييك يا فضيلة الدكتور وأحيي ضيفك الكريم.

المقدم: الله يحييك.

الأخ: وبصراحة أنا من المستمتعين بقراءة التفسير والتفاسير بشكل عام، وسبحان الله تجد فيها متعة وأنس، وحتى استجابة حتى لواقع الحال، ولكن بما أن يعني الدكتور تحدث عن اليُسر فأتمنى أن يتحدث فضيلة الشيخ عن مسألة تكرار الآيات في كتاب الله عز وجل، أو تكرار الكلمات، طبعاً ما يخفى عن فضيلتكم أن مسألة التكرار بالنصوص تعتبر صفة نقص، إلا في كتاب الله عز وجل فإن للتكرار أسرار، فأتمنى أن يلقي الضوء عليها فضيلة الشيخ.

المقدم: طيب، شكر الله لك يا أخ عدنان، معنا الأخ نايف من السعودية.

الأخ: السلام عليكم.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله.

الأخ: أنا أحييك تحية طيبة لك يا دكتور عبد الرحمن ولضيفك الكريم، ومن بركة هذا البرنامج علينا أن جعلنا أن ننظر للقرآن بنظرة موضوعية، وسأبدأ من حيث ما انتهى به الدكتور عمر العيص الحلقة الماضية لما تكلم عن إشكاليات النظرة الموضوعية للقرآن الكريم، فموضوع اليسر والعسر فالشيخ حفظه الله ذكر أن قريب من سبعة وثلاثين آية من اشتقاق الكلمة وتصاريفها وما دل على اليسر، أنا يظهر لي والله أعلم أن القرآن كله يسر، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في رواية صحيحة: ((إن الدين يسر)) والقرآن الكريم جاء لإزالة العسر الذي حل في الأمم السابقة والبعثة النبوية والقرآن الكريم كانت كلها يسر، فالتركيز فقط على آيات اليسر أظن أن فيه قصور، يعني هناك أماكن كثيرة في القرآن الكريم اليسر فيها ظاهر، وهذه يمكن لأي إنسان أول مرة يقرأ هذه القصص في القرآن الكريم فربما يتدبر أو يتأمل في جانب كبير من اليسر، فأقول أولى هذه القصص وإن كانت لا يذكر بها اليسر باشتقاقاته وتصاريفه إلا أنها أولى وأحرى بأن تضاف إلى موضوع اليسر في القرآن الكريم، والحديث عن اليسر يلزم منه الحديث عن العسر، وحتى الآن في الحلقة لم نتكلم عن العسر، لكن لعلي أبدأ من سؤال آخر يتعلق بالعسر، ذكر أهل العلم أن العسر في القرآن الكريم إذا جاء العسر يقطعه اليسر في الآيات، لكني وجدت بعض الآيات الكريمة التي يأتي العسر لا يأتي بعدها ولا في معها اليسر، لا تصريحاً ولا تلميحاً، ما أدري الشيخ تتبع دراسة الآيات التي تكلم فيها العسر، وهل يأتي معها اليسر، وشكر الله لكم، وبارك الله فيكم.

المقدم: حياكم الله أستاذ نايف شكراً جزيلاً لك، معنا الأخ أبو لوط من السعودية، تفضل يا أبو لوط.

الأخ: السلام عليكم ورحمة الله.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله، يا مرحباً تفضل يا أبو لوط.

الأخ: الله يبارك فيك، والله أنا سعيد بكم، أنا والله يا أخي أرى أني وجدت إخوان، لأنه الآن كثرت القنوات النصرانية عندهم ترانيم، وقنوات الشيعة عندهم أناشيد، قنوات الإسلامية للأسف جعلوا أيضاً هناك كاحتفال النصارى بالأناشيد للمسيح، كذلك من ينشدون للأسف للرسول، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في قصة نجاة موسى من فرعون، قال: ((نحن أولى به)) ولم يقل لهم ارقصوا وامدحوا، قال صوموا، فنحن المفروض نصوم ونحمد الله على الرسول عليه الصلاة والسلام.

المقدم: اللهم صلي وسلم عليه، تفضل يا أخ لوط، ماذا لديك حول موضوعنا اليوم.

الأخ: والله أنا الآن أول مرة تقع عيني على هذه القناة باركها الله، لكن أنا الموضوع يعني الله عز وجل يقول: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} فالطاعة هذه سبحان الله يعني من لم يتدبر كتاب الله فلن يستطيع أن يستوعب يعني أبداً، أسأل من الله أن يعطيكم خير، وأن لا يقول أهل الحق وأنا أرى من أهل الحق يقولون النصارى المسيح يتألم، إن نسبهم إلى المسيح يكونون موحدين، والمسيح موحد، فنحن هم المسيحيون ونحن هم الإسرائيليون نسبة إلى إسرائيل، نسبة إلى الموحدين المسلمين من الأنبياء والرسل، كذلك أتمنى على أهل الفضل على ألا ينعتوا الفاحشة اللواط لأن النصارى واليهود عندهم إن لوط عليه السلام إنه زنى ببناته، فحين يقول النصراني العربي أو اليهودي العربي هذا لوطي يعني نجس، لكن نحن المسلمون عندنا {أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} فالنسبة للوط اللواط طهر وليس فاحشة، وجزاكم الله خيراً وسدد خطاكم.

المقدم: الله يحييك، شكراً لاتصالك يا أبو لوط الله يحييك، نعود يا دكتور إلى حديثنا عن اليسر، وسوف نرجع إن شاء الله للحديث عن الموضوع الذي سأل عنه الإخوان، إلى موضعه، نريد أننا نختصر لأن الوقت يدركنا، التقسيمات الأخرى من التقسيمات التي ذكرتها.

الضيف: طيب، اليسر في الدنيا، طبعاً فيه أيضاً موضوعات منها اليسر في معاملة الخلق، ويتجلى هذا المفهوم في مثل اليسر في الدين والارتباط، يقول الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}.

المقدم: يأمر باليسر.

الضيف: بالتيسير وإنظار المعسر إلى وقت الرخاء إن يسر الله عز وجل عليه، وفيه أيضاً يسر آخر وهو الأمر بالتيسير أيضاً عن المعسر بإبرائه من الدين، أو بعضه، أو عد ذلك سبحانه وتعالى من الصدقة، فقال: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} وكما تعلم ما جاء في فضل مثل هذا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من يسر على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)) هناك أيضاً اليسر في القول، المراد به الكلام الحسن اللين الهين اللطيف، وهذا اليسر أمر الله عز وجل به في خطاب ذوي القربى واليتامى والمساكين، في قول الله تعالى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} ثم قال سبحانه: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً } وتلطف معهم بالقول، وأقنعهم بالقول اللين اللطيف الهين الجميل، إذا رزقنا الله سنرزقكم إن شاء الله إلى آخره، أيضاً أمر به في خطاب المدعوين من غير المسلمين: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} جاء هذا في قول الله تعالى عندما أمر موسى وهارون وأرسلهما إلى فرعون، فقال الله عز وجل: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} والقول اللين أيضاً من معاني اليسر.

المقدم: جميل، وهذا يا دكتور حسن يعني بمناسبة استدلالك بالآية هذه، يعني الأخ نايف، والأخ نايف بالمناسبة من الزملاء المتخصصين، وله يعني وقفات جيدة في برنامجنا وفي المنطقة، يقول يعني هل أنت تعرضت في بحثك للآيات التي تعرضت للفظ اليسر فقط، ولا المعاني أيضاً.

الضيف: كل المعاني التي تدل على اليسر، والقصص التي أشار إليها، لكن بما إنكم كنتم تريدون خلاصة الخلاصة، إيجاز الإيجاز (ابتسامة).

المقدم: صحيح (ابتسامة).

الضيف: ولا فهو تم التطرق لها، يعني ما حكاه الله عز وجل في مثل يعني قصة أيوب عليه السلام، وما وقع فيه يوسف عليه السلام، وما حكاه الله عز وجل عن موسى عليه السلام وما حصل له، هذه إن شاء الله لعلنا نصل إليه، وأيضاً قصة الثلاثة الذين خلفوا، وعائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك، وغير هذه قصص تناولت موضوع اليسر، وفيها أيضاً إبراز لهذا المعنى، وهناك يسر في الدنيا والآخرة، طبعاً أنا الآن أشير إشارات فقط، ولكن مع التوضيح فذكرنا مثل هذا.

المقدم: يعني بالمناسبة كان الدكتور زيد عمر معنا في الحلقة الماضية، وكنا نتحدث عن التفسير الموضوعي، فتحدث عن أن دراسة موضوع من خلال القرآن دراسة صعبة وليست سهلة، بتشعبها وصعوبة الإحاطة بكل الآيات التي تتحدث عن الموضوع، يعني قد تختلف عن بعض المجتهدين والباحثين في أن هذه الآية تدل على الموضوع أو لا تدل.

الضيف: نعم، أنا قرأت في هذه الآية أو في هذه القصة، من وجهة نظري أنها من اليسر مثلاً، ومن رؤية أخرى لا ترى ذلك.

المقدم: صحيح.

الضيف: هذا وارد، أيضاً من آيات اليسر أنا تطرقت لها، لكن في البحث في الرسالة، لكن الآن الوقت لا يسعف لمثل هذا، وإلا أصلاً لن نستطيع إبراز جانب اليسر إلا بذكر الجانب القصة في الشيء لكي يتضح اليسر فيه، وكما قيل: بضدها تتميز الأشياء.

المقدم: صحيح (ابتسامة)، بارك الله فيك.

الضيف: نعم، من اليسر أيضاً ونحن سبحان الله نتحدث وواقفين عند هذا المعنى، اللي هو الفرع الثاني من اليسر في الدنيا، طبعاً من اليسر في الدنيا أيضاً في معاملة الخلق، اليسر في القول، أمر الله عز وجل أيضاً به في خطاب الأتباع من المؤمنين، يعني من أتباعك، إن كنت رئيساً بدائرة، ومسئولاً عن مجموعة من الناس، تتعامل معهم برفق، وهم من أهل الإيمان، وهذا ما حكاه الله عز وجل عن ذي القرنين عليه السلام، وقال الله عز وجل: {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} يعني سنحسن إليه ونلطف له بالقول، ونيسر له ولا نعسر عليه.

المقدم: جميل.

الضيف: الفرع الثاني من اليسر في أمور الدنيا، اليسر بعد العسر، جاء ذلك في قول الله عز وجل: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} أي بعد ضيق وشدة سعة وغنى، أيضاً في قول الله عز وجل: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} طبعاً مقصودنا بهذا أن الإنسان قد يعرض في هذه الدنيا لبعض المضايق، بعض الكرب، بعض الهموم، الغموم، الفقر، الحاجة، الديْن، كل هذا من العسر، فيجعل الله عز وجل مع هذا العسر يسر بإذن الله عز وجل، ولذلك هناك في القصص القرآني كما أشرنا سبحان الله لما وقفنا عندها قصة أيوب عليه السلام، طبعاً وهو معلوم، كوننا الآن نقول ما وقع لأيوب، ما وقع لموسى هذا الأمر معروف، نعم الرسول صلى الله عليه وسلم مثل ما حكاه الله عز وجل في سورة الأحزاب بشأن غزوة الأحزاب، بشأن غزوة بدر، حنين إلى آخره، قصة الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا، فأتى الفرج، أيضاً قصة عائشة رضي الله عنها وما حصل في حادثة الإفك، كل هذا مما يندرج تحت هذا، وأيضاً يندرج تحت نوع من أنواع اليسر، أو من النوع الذي معنا، وهو ما يتعلق بأسباب اليسر في الدنيا والآخرة، فلعلنا نصل إليه وهذا مما ينبغي أن يعتنى به، اليسر في الآخرة كما ذكرت الأخت أم يوسف نشير إلى بعض ما ذكره، مثلاً يسر يوم القيامة على المؤمن وعسره على الكافر، جاء هذا في مثل قول الله تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما قال إنه غير يسير على الكافرين كان يسيراً على المؤمنين، هذا طبعاً باختصار ولذلك هذا طبعاً في موضعه، طبعاً من الآيات التي تبين يسر يوم القيامة على المؤمنين خاصة قول الله تعالى: {لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} وقول الله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} هذا يعني جانب، يسر يوم القيامة على المؤمن، ويسره على الكافر عموماً، وإلا فكما قلت الشرح والتوضيح هذا في موضعه من البحث، من اليسر في الآخرة يسر الحساب على المؤمن وعسره على الكافر، جاء طبعاً الحساب المقصود به في الشرع إطلاع الله العباد على أعماله، جاء في قول الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ} جاء في الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((من نوقش الحساب عذب)) فقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله. أو ليس الله تعالى يقول: {فسوف يحاسب حساباً يسيراً} قال: ((إنما ذلك العرض وليس الحساب، من نوقش الحساب عذب)) إذاً مظاهر اليسر بالنسبة للمؤمن أنه تعرض عليه ذنوبه ولا يناقش فيها، هذا من اليسر، أيضاً من اليسر بالنسبة للمؤمن أن هناك فئة من المؤمنين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهؤلاء السبعون ألفاً كما في حديث عكاشة بن محصن وهو منهم رضي الله عنه، جاء في رواية في هذا الحديث عند الترمذي وابن ماجه أن مع كل ألف سبعين ألفاً وثلاث حيثيات من حيثيات الرب جل جلاله، هذا الحديث صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي وصحيح سنن ابن ماجه، بالنسبة لمظاهر العسر بالنسبة للكافر أنه تُحصى عليه أعماله صغيرها وكبيرها فيعاقب بها، والأمر الآخر فضحهم على رؤوس الأشهاد في ذلك اليوم، هذا أيضاً لمحة سريعة بالنسبة لليسر في الآخرة.

المقدم: ما ورد في القرآن الحديث عن يسر خروج روح المؤمن: {يا أيتها النفس المطمئنة}.

الضيف: ممكن هذا يعد الآن من اليسر بناءً على هذا، جيد.

المقدم: الأخ عدنان أشار إلى مسألة يا دكتور حسن وهي قضية التكرار في القرآن الكريم، أشار إلى نكتة جميلة وقال: إن التكرار في الكلام بصفة عامة يعتبر صفة نقص، إنك تكرر كل شوية الكلام الذي تقول، إلا في القرآن الكريم تكررت كثير من القصص والكلمات واليسر، يعني لعله أخذ هذا من أن اليسر تكرر في مواضع كثيرة، فيقول يعني هل يمكن أن نشير إلى هذا الوجه، قضية أن التكرار لم يخل ببلاغة القرآن ولا إعجازه، وإنما كان إعجازاً بالنسبة للقرآن.

الضيف: نعم، بالنسبة للقرآن فكما تفضلتم أنه من إعجاز القرآن، وليس نقص في القرآن.

المقدم: أذكر مناسبة للأخ عدنان لغيره، أذكر الأستاذ محمد عبد الخالق عظيمة رحمه الله يقول: تتابع الحروف في الكلام يعتبر من غير الفصاحة، أما في القرآن الكريم تكررت الميم في مكانٍ واحد أكثر من تسع مراتٍ تقريباً: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} قال: وبالرغم من ذلك تجدها يسيرة وسهلة على اللسان، ولم يقل أحد لا من المتقدمين ولا المتأخرين أن فيها أي نوع من الصعوبة.

الضيف: سبحان الله، هذا كلام الله عز وجل، وقد تكفل سبحانه بتيسيره وإذ يسره على العباد، والآن معنا يا شيخ عبد الرحمن الله يحفظك فيما يتعلق بأسباب اليسر في الدنيا والآخرة نشير إليها، طبعاً هناك أسباب من خلال الآيات القرآنية أيضاً: التقوى، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} فهذا أيضاً سبب، والمعنى من يتق الله يسهل عليه أمره في الدنيا والآخرة وييسر له الأمور ويسهل عليه كل عسير، السبب الثاني: الزكاة والصدقة، قال الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} طبعاً التقوى هي في قوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} هذا في الزكاة، يعني الزكاة الواجبة أداها وأخرج الحق الواجب عليه في المال، وتصدق أيضاً وتقرب إلى الله عز وجل بشيء من الصدقة، صدقة التطوع، هذا مما ييسر له أموره في الدنيا والآخرة بإذن الله.

المقدم: سبحان الله قدم العطاء على التقوى.

الضيف: نعم سبحان الله، أيضاً السبب الثالث: الإيمان والتصديق، قال الله تعالى في نفس الآيات: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} أي بلا إله إلا الله وما تقتضيه من الإيمان والتصديق إلى آخره {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} أيضاً من الأسباب: الدعاء، الدعاء من أسباب التيسير بإذن الله عز وجل، العبد في الدنيا والآخرة، في هذا الموطن عندما أرسل الله عز وجل موسى إلى فرعون، فكان هذا أمر بالنسبة لموسى عليه السلام يعتبر كرب شديد، فهنا دعا الله عز وجل، قال الله عز وجل: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (* قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} أول ما سأل أن يشرح الله صدره: {ويسر لي أمري واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي} الآيات، وقد أجيب عليه السلام إلى ما سأل، قال الله تعالى: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} فسهل الله عليه ويسر له المهمة التي ذهب من أجلها، وأظهره الله على فرعون وجنده بإذن الله عز وجل، أيضاً من الأسباب: الضيق والشدة، من أسباب اليسر أن يشتد الضيق على الإنسان ويعسر الأمر ويحصل الانفراج ويتيسر الأمر بإذن الله، كما قال الله عز وجل: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} أي بعد الضيق غنى وبعد الشدة سعة ورخاء بإذن الله، أيضاً مثلها قول الله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} أيضاً في الحديث: ((واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا)) وكما قيل:

ولرب نازلة يضيق بها الفتى *** ذرعاً وعند الله منها المخرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكان يظنها لا تفرج

فإذا وقع في الضيق والشدة هنا يعني أن اليسر قد قرب والفرج آت بإذن الله عز وجل، هذه يعني لمحة سريعة بالنسبة للأسباب أسباب اليسر في الدنيا والآخرة.

المقدم: الحقيقة أن الوقت أدركنا يا دكتور حسن، والموضوع الحقيقة ذو شجون.

الضيف: سبحان الله.

المقدم: وهذه طبيعة الموضوعات القرآنية عندما تريد أن تعطيها حقها من الحديث والتفصيل، فإنك لا تستطيع في ساعة مثلاً، لكن يكفينا وبحسبنا أن يكون الأخ المشاهد والإخوة المشاهدون قد أخذوا إلمامة وإلماحه سريعة عن موضوع اليسر، وحجم الحديث عن اليسر سواءً كان بلفظه أو كان بالمعاني التي تدل عليه ولو لم تكن بلفظه كما ذكرت في حديثك، فإن هذا سوف يوجه الأنظار إلى معرفة حجم حديث القرآن الكريم عن اليسر وعن السهولة وعن تيسير الله سبحانه وتعالى بهذا الدين وبهذا القرآن، ولأوامره، ولقدرته سبحانه وتعالى، فنشكرك على ما تفضلت به، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يسددك وأن يكتب لك الأجر والثواب على إجابتك لهذه الدعوى، وأنا أسأل قبل أن نختم الحلقة يا دكتور حسن عن كتابك "اليسر في القرآن الكريم دراسة موضوعية" هل لك نية في نشره.

الضيف: لعل إن شاء الله يكون هذا قريب.

المقدم: أرجوا أن يكون من هذا اللقاء دافعاً لك إلى نشره بإذن الله عز وجل.

الضيف: إن شاء الله، وإن شاء الله إنه ينشر قريباً بإذن الله عز وجل.

المقدم: لكي نطلع على التفاصيل التي ذكرتها.

الضيف: وفيه التفاصيل وحتى ما سأل عنه بعض الإخوة من الأمور يعني، لعلهم يجدون إن شاء الله فيه الجواب الكافي الشافي.

المقدم: بإذن الله، أسأل الله أن يكتب لك الأجر، في نهاية هذا اللقاء أيها الإخوة المشاهدون نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم، وباسمكم جميعاً نشكر فضيلة الشيخ الدكتور حسن بن علي بن منيع الشهراني الأستاذ المساعد بجامعة الملك خالد، والمتخصص في الدراسات القرآنية على إجابته لهذه الدعوى، وعلى ما تفضل به من تفصيلات حول موضوع اليسر وآياته في القرآن الكريم، وحتى ألقاكم بإذن الله تعالى في الحلقة القادمة في الأسبوع القادم، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أذيعت يوم الجمعة بتاريخ: 21/12/1429 هـ