طبقات الأصدقاء

خذ قلما وورقة، وحاول أن تكتب اسماء أصدقائك جميعا أيها الشاب، ثم صنفهم أصنافا؛ تجد منهم من ليسوا أصدقاء على التحقيق. فمنهم رفيق تقابله كل يوم أمامك في السيارة، أو الحافلة، يحييك فتحييه. ومنهم رفيق العمل، فترى مكتبه بجانب مكتبك.

فإذا أردت الصفة التي تجمع خلال الخير، والعمل الذي يصلح الأعمال كلها، فاكتب اسماء أصدقائك وأصحابك، وانظر إلى كل واحد منهم: هل هو صالح في نفسه، أم هو غير صالح، وهل هو مخلص لصديقه، أم هو لا يهتم إلا بنفع نفسه. وهل هو مؤنس لجليسه، أم هو مزعج؟ فإذا فعلت ذلك، رأيت الأصدقاء أنواعا:

والخلاصة أن الأصحاب خمسة: فصاحب كالهواء لا يستغنى عنه. وصديق كالغذاء لا يعيش الإنسان إلا به، ولكن ربما ساء طعمه، أو صعب هضمه، وصاحب كالدواء مر كرية، لكن لا بد منه أحيانا، وصاحب كالخمر تلذ لشاربها، ولكنها تودي بصحته وشرفه. وصاحب كالبلاء.

أما الذي كالهواء فهو يفيدك في دينك، وينفعك في دنياك. وأما الذي هو كالغذاء، فهو الذي يفيدك في الدنيا والدين، لكنه يزعجك أحيانا بغلظته، وجفاء طبعه. وأما الذي هو كالدواء، فهو الذي تضطرك الحاجة إليه، وينالك النفع منه، ولا يرضيك دينه، ولا تسليك عشرته. وأما الذي هو كالخمر، فهو الذي يبلغك لذتك، وينيلك رغبتك، ولكن يفسد خلقك، ويهلك آخرتك. وأما الذي هو كالبلاء، فهو الذي لا ينفعك في دنيا ولادين، ولا يمتعك بعشرة، ولا حديث، ولكن لا بد لك من صحبته.

عليك أن تجعل الدين مقياسا، ورضا الله ميزانا، فمن كان يفيدك في دينك، فاستمسك به، إلا أن يكون ممن لا تقدر على عشرته. ومن كان لا يرضيك فاتركه، إلا أن تكون مضطرا إلى صحبته، فتكون هذه الصحبة ضرورة، بشرط ألا تجاوز في هذه الصحبة حد الضرورة. وأما الذي لا يضرك في دينك، ولا ينفعك في دنياك، ولكنه ظريف ممتع، فاقتصر منه على الاستمتاع بظرفه، على ألا تمنعك هذه الصحبة من الواجب، ولا تمشي بك إلى عبث، أو إثم.