العولمة

هناك من يرى في العولمة دعو إلى تقسيم العمل، وانتشار التقانة الحديثة من مراكزها في العالم المتقدم اقتصاديا، إلى أقصى أطراف الأرض، ومن ثم زيادة الإنتاج. وهو في سبيل ذلك، مستعد لأن يغفر للعولمة أي تأثير سلبي، يمكن أن ينتج عنها على الهوية الثقافية. بل هو مستعد للقول، بأن هذا الأثر السلبي على الهوية يسير، بل قد يذهب إلى القول، بأن الهوية الثقافية سوف تفيد من العولمة.

وهناك المفتونون بالمدنية الغربية بوجه عام، ليس بنالحعل المادي فقط، بل في مجال نقل المعلومات وتخزينها وتوفيرها، وبما حققه الغرب في المجال السياسي والاجتماعي والثقافي. أولئك المفتونون بالديموقراطية الغربية، وبالعلاقات الاجتماعية الغربية، وبالإنتاج الثقافي في الغرب، ويتمنون لشعوبهم سرعة اللحاق بكل هذه الإنجازات، ويجدون في العولمة السبيل إلى ذلك. ومن هؤلاء من لا تثير لديهم مسألة الهوية الثقافية إلا السخرية؛ فهي عندهم تعني التخلف والجهل والفقر.

هناك أيضا الكارهون للعولمة، ولديهم أسباب لهذه الكراهية؛ فهناك من يكرهها لأن فيها مزيدا من الاستغلال الاقتصادي، وهذا ما تفعله الاستثمارات الأجنبية الخاصة، عندما تترك بلادها، وتذهب لاستغلال العمالة الرخيصة في البلاد الأقل نموا، كشركات الأدوية الكبيرة التي تريد أن تفتح لها كل بلاد العالم أبوبها؛ لتحقق مزيدا من الربح على حساب مستهلكي هذه الأدوية ومنتجيها. نعم، الهوية الثقافية لابد أن تعاني من ذلك، ولكن المعاناة هنا ليست إلا نتيجة للاستغلال الرأسمالي، إذ تحمل كل هذه الاستثمارات الأجنبية، وهذه السلع المستوردة ثقافة تختلف عن ثقافات الأمم المستوردة لها، فتحقق مزيدا من الأرباح المادية والثقافية. وحاية الهوية الثقافية واجبة في نظر هؤلاء.

وهناك من يكره العولمة لا لسبب اقتصادي، بل لسبب ديني؛ فالعولمة آتية من مراكز دينها غير ديننا، بل هي قد تنكرت للأديان كلها، وآمنت بالعلمانية التي لا تختلف كثيرا، في نظر هؤلاء، عن الكفر. ومن ثم ففتح الأبواب أمام العولمة، هو فتح الأبواب أمام الكفر. والغزو هنا في الأساس ليس غزوا اقتصاديا، بل هو غزو ديني. والهوية الثقافية المهددة هنا هي دين الأمة وعقيدتها، وحماية الهوية معناها في الأساس الدفاع عن الدين.

وهناك، من ناحية أخرى، من يرى أن العولمة ليست غزوا اقتصاديا، أو غزوا علمانيا، بل غزو قومي. صحيح أن هذا الغزو يتضمن استغلالا اقتصاديا، وصحيح أنه يهدد دين الأمة التي يجري غزوها. ولكن هذا وذاك ليسا إلا جزأين من ظاهرة أوسع، وهما مرفوضان لسبب أكبر وأشمل. فالاستقلال الاقتصادي ليس مطلوبا لمنع الاتغلال فقط، بل مطلوب لتحقيق نهضة شاملة للأمة. والعولمة كذلك تهديد للدين والعقيدة، ولقيم الأمة.

إن كلا من المواقف المؤيدة والرافضة للعولمة، يحمل في رأي البعض جزءا من الحقيقة. نعم، إن العولمة قد تؤدي إلى زيادة الإنتاج، والعولمة قد تمثل تقدما في بعض القدرات المهمة للإنسان، وفي بعض أنواع الإنتاج العلمي والفني. ولكن العولمة تتضمن، بلا شك، اتجاها نحو السيطرة الاقتصادية من جانب الشركات الكبيرة للمستضعفين في الأرض. والتنافس في هذا الصراع لن يرحم الضعفاء، بل يعادي معتقداتهم ومقدساتهم. والعولمة، بلا شك، تهدد أنماط الحياة الخاصة بالأمم المحافظة، لصالح نمط معين للحياة، هو السائد في الدول القوية.