كيف تختار مهنتك ؟

خلق الله الخلق مختلفين في أنفسهم، وفي قدراتهم، وفي أعمالهم؛ لتستقيم الحياة، ويخدم بعضهم بعضًا. قال الله تعالى: (أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا ورحمت ربك خير مما يجمعون).

والرزق يختلف من بيئة إلى بيئة، وهو متفاوت بين الأفراد. والبشر مسخر بعضهم لبعض؛ الفقير مسخر للغني، والغني مسخر للفقير ... يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له". ولو عمل الناس كلهم في مهنة واحدة؛ لتعطلت بقية مصالحهم، ولكن الله سخر بعضهم لخدمة بعض؛ وهذا يأتي من اختلاف المهن والأعمال؛ فالمزارع، على سبيل المثال، يحرث ويأكل من زرعه غيره من خباز، ومعلم، وطبيب ...، وهؤلاء بدورهم يخبزون له، ويعلمون أطفاله، ويعالجون المريض من أسرته، وهكذا.

كان الشباب في الماضي يتعلمون مهن آبائهم في الغالب؛ حتى إذا كبروا عملوا في هذه المهن؛ ولذا كان يغلب على بعض الأسر الارتباط بمهنة معينة، حتى إنهم قد يسمون (يعرفون) بها.

أما في العصر الحاضر، فقد تغير الأمر، وأصبحت أغلب المهن والأعمال مرتبط بالحكومات، أو الشركات الكبيرة. ويواجه الشاب أول حياته مشكلة اختيار المهنة، التي يرغب فيها، بعد انتهائه من الدراسة. وهذا قرار صعب، يحتاج إلى تفكير؛ لأن له آثاره المادية والنفسية على الشباب في مستقبل حياته، فكيف يختار الشاب مهنته؟

ينبغي أن يعرف الشاب أين يضع قدمه، قبل أن يختار لنفسه مهنة يعمل فيها، ويكسب عيشه منها. ينبغي أن يتعرف إلى صفات نفسه، وما لديه من نواحي القوة والضعف، وأن يتأكد من ميوله، ويعرف ما يحب من المهن، وما يكره. وإن صدق الإنسان مع نفسه، يعينه كثيرًا على اختيار مهنة المستقبل، وهو مطمئن إلى حسن الاختيار. وبعد أن يتعرف الشاب إلى نفسه وصفاته، ينبغي عليه أن يتعرف إلى عدد من المهن؛ ليختار منها ما يناسبه. وهذا أمر ليس سهلاً، فربما لا يجد المهنة التي تكون مناسبة له ولقدراته، ولا ستعداداته، وقد يجد الكثير من المهن مناسبة لميوله ورغباته.

لكي يصل الشاب إلى قرار سليم، يجب أن يكون مرنا، وأن يدرك أنه يستطيع أن يتقن مهنة معينة أكثر من سواها، وأن هناك مهنًا أخرى لا يقدر على إتقانها.

يحتاج الشباب إلى التدريب على المهنة، التي يعتقد أنها تناسبه،ـ وإلى اكتساب الخبرة فيها، حتى يحصل على المهارات الأساسية، والمعلمومات الخاصة بها، بطريقة عملية، وبذلك يعد نفسه للمهنة إعدادًا كافيًا. وتكثر المنافسة أحيانًا حول بعض المهن دون بعضها الآخر. وبعض المهن لها بريق، غير أن أجر العاملين فيها قليل، فيجب أن يكون الشباب على علم بذلك، حين يختار مهنته، وأن يعرف ميزات المهنة الحقيقية. والشباب الذي يعرف نفسه حق المعرفة، ويعرف الأعمال المختلفة، يصبح قادرًا على اختيار ما يناسبه من المهن، فيجيء اختياره قريبًا من الصواب.

وعلى كل شاب أن يدرك أن الصفات الشخصية تنمو، وأن الشاب قد يتغير في نفسه، ويتبع ذلك اختلاف رغباته وميوله، نتيجة لخبرة جديدة اكتسبها، أو ثقافة حصل عليه، أو معاشرته أناسًا لم يعاشرهم من قبل. ومن الخير للشاب في أثناء دراسته أن يهتم كثيرًا بالدرس والتحصليل، قبل أن يصل إلى مرحلة اختيار المهنة، وأن يضع لنفسه خطة مرنة، تسمح له بالتغيير والتصرف، حسبما يكتسب من خيرة وعلم.